معاني الاستقلال في وجدان الأردنيين

تم نشره في الجمعة 30 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

أنا من مواليد عام الاستقلال، فقد ولدت ونشأت مع الاردن وشاركت في نسيج ثوبه خيطا خيطا، تلميذاً صغيرا انشد له "موطني... موطني.."، وأتغنى بمرابعه، وشابا اساهم بفتح الطرق عاملا في ورشة "النافعة"، التي كنا نسميها بذلك لأنها مصدر رزقنا ومورد معاشنا، ثم واحدا ممن ساهموا في معسكرات الحسين، ونحن نهدم الابنية القديمة المتداعية في بلدة "عيمة"، حيث كان معسكرنا آنذاك لتفتح شارعا فيها أو ليقام بناء حديث مكانها، ثم معلما في قرية من قرى الكرك اعلم الابناء وألقنهم معاني "الشهادتين" الى جانب حب الوطن كجزء ملازم للعقيدة الصحيحة، ثم محاميا طالما رددت حقا مغصوبا الى اصحابه أو فرجت كربة عن مواطن مظلوم أو مكلوم.

وخلال ذلك مارست العمل الدعوي والسياسي، فكنت اقف واعظا في المسجد، وسياسيا في حفل وطني أو ديني. وقد قدت اكبر الحركات السياسية الاردنية لمدة تزيد على خمسة عشر عاما، حاولت ان ارسخ المعنى الكبير في ان يكون الانسان ربانيا ووطنيا في آن واحد. وما أزال أخط قلمي في دفتر هذا الوطن بمحبة وود. وحنو على ترابه وأبنائه... هكذا كنت ومعي كل من عاصر هذه الفترة وأدركت قيمة الاستقلال ومعانيه العديدة.

أدركت زمنا شح فيه الماء للشاربين، فكنا نقطع مسافة تزيد على 20 كم يوميا لجلب تنكتين من الماء تكفي مؤونتنا ليوم أو يومين.

وأدركت زمنا كان الاهل يخرجون خارج القرية مع اغنامهم، طلبا للرعي والعشب، ويتزودون بملء قنينة من الكاز لتكفيهم اياما وشهورا في اضاءة "الفنيار"، وكنا ننام على ضوء القمر ونتحراه بدرا لإقامة اعراسنا في هذه الفترة لنستغل اضاءاته في تدبير شؤوننا...

ثم شاء الله ان ينعم علينا بالكهرباء والماء والتليفون والتلفزيون، فإذا بها بين ايدينا وتحت أنظارنا، وفي بيوتنا، وأصبحت المواصلات متيسرة في كل وقت من اوقات النهار بدلا من باص القرية الوحيد الذي طالما تعطل عن المجيء فنضطر لركوب ارجلنا الى المدينة لقضاء حوائجنا..

هذه، وغيرها، من مدلولات معاني الاستقلال للاردن وأبنائه. معنى الامن والامان والاستقرار وتوفر سبل العيش الكريم. معنى ان نشعر اننا اسرة واحدة من شمال الاردن الى جنوبه ومن غوره الى باديته. معنى ان نرفع التحية للعلم الذي يوحدنا ويرفرف فوق هاماتنا. معنى ان نرفع رؤوسنا ونعتز بجيشنا العربي المصطفوي، وهو يحمي تراب وطننا ويوفر لنا الامن والكرامة. معنى ان نحتفي بشهدائنا الذين قضوا دفاعا عن القدس وفلسطين والاردن. معنى ان نتصدى للعدو ونلقنه درسا لا ينسى في معركة الكرامة. معنى ان ينتشر العلم ويتبدد الجهل حتى اصبح الاردن من اقل الدول في العالم نسبة في الامية.

هذه، وغيرها، معان استقرت في وجداننا، نحن الاردنيين، أدركناها، وندركها، وهي من نعم الله اولا، ثم بفضل القائمين على امورنا وأحوالنا وبجهد ابنائنا وسواعدهم الذين بنوا وطناً قل نظيره في عالمنا الذي يموج بالفتن والقلاقل.

إن احتفالنا بهذه المناسبة الكريمة، يجب ان يكون بمستوى دلالاتها ومعانيها، وذلك بمزيد من التماسك في وحدتنا الوطنية والحفاظ على هويتنا، وبمزيد من العلم والبناء. وبالعرفان بالجميل لأولئك البناة لهذا الوطن ممن رسخوا له استقلاله وكرامته.

ها نحن اليوم نحتفي بهذه المناسبة، لنرسم جميعا لوحة لا احلى ولا اجمل، اسميناها "الاردن" بلد المحبة والعطاء.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام جميل (بنت الكرك)

    الجمعة 30 أيار / مايو 2008.
    كما عودتنا في مقالاتك اردني اصيل ورمز كبير وداعية امين
  • »لقد أوجدت معنى جديدا للأستقلالا (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الجمعة 30 أيار / مايو 2008.
    لقد ابدعت يا أخي عبد المجيد في سرد مسيرتك التي تشرف كل مواطن اردني في وطننا الواحد ..لو فكر كل مواطن بطريقتك الصادقة لوصلنا الى شاطيء الأمن منذ زمن طويل..ولكن اليوم أحسن من الغد ..فبوجود امثالك فاردننا بخير
    أطال الله بعمرك، وجعل ايامك كلهاحبورا وسعادة