نصرالله (اللبناني) والصدر (العراقي): مشهدان في صورة واحدة

تم نشره في السبت 17 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

بعيداً عن خيوط الشراكة السياسية التي تجمع بين تجربتي حزب الله اللبناني والتيار الصدري العراقي، يمكن للمرء أن يتلمس أوجه شبه غير قليلة في تفاصيل التجربتين، خصوصاً في ما يتعلق بزعيميهما: حسن نصرالله ومقتدى الصدر.

حينما تولى الصدر مقاليد الزعامة في تياره السياسي، كان في عمر مقارب لعمر نصرالله إبان توليه رئاسة حزب الله في لبنان في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. في ما بعد، تبين أن الصدر الذي أفرزته تعقيدات السياسة العراقية وتشابكات المجتمع الشيعي العراقي، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من بروز نصرالله، يتماثل مع الأخير في المنبت العقائدي أيضاً. فنصرالله الذي يتحدر من عائلة دينية، لم ينهل دروسه السياسية الأولى في إطار المرجعيات الدينية، إنما تنفّسها في أجواء حركة أمل اللبنانية. كذلك الحال مع الصدر الذي لم تمنعه أجواء عائلته الدينية من التمعن في تجربة حزب الدعوة الإسلامية، خصوصاً تجربه قريبه مؤسس الحزب آية الله محمد باقر الصدر الذي أعدمه النظام العراقي السابق في أواخر السبعينات. يشار الى أن أمل اللبنانية والدعوة العراقية ظلّتا تتغذيان من منابع العقيدة الدينية، لكنهما تميزا، في الوقت عينه، عن بقية المنظمات الدينية المتشددة بمسحة واضحة من المدنية والثقافة القومية.

فيما بعد، طرأ تغير لافت على المناحي السياسية لدى الإثنين، إذ إبتعدا عن أجواء أمل والدعوة، وفضلّا الإنحياز كلياً الى الخط الديني البحت في الدعوة السياسية. في هذا المنحى، تبوأ الصدر موقعه في رأس التيار الصدري بفضل تراث والده المرجع آية الله مخمد صادق الصدر الذي أعدمه النظام أيضاً في التسعينات. لكن الواضح أنه لم يحصل على هذا، كما الحال مع نصرالله، بفضل تبحره في الدراسات الفقهية أو نتيجة تراتبية دينية معينة. إنما حصل على القيادة بفعل حماسته المتقدة وشخصيته الكاريزمية وولعه الشديد بالخطابات النارية. في الحالتين، لم يولج الرجلان باب السياسة عن طريق العمامة الدينية. إنما إختارا العمامة لأنها تبعث على الطمأنينة في نفوس الأتباع، وتضفي غمامة من الهيبة والرهبة على الشخصانية. وتسهم، أيضاً، في تقريب المسافة مع إيران. إضافة الى قدرتها الكبيرة على ردم المسافة بين الزعيم الغرّ والمراجع الكبيرة المتبحرة في علوم الدين.

غير أن أوجه الشبه بين الرجلين لم تقتصر على السمات الشخصية، بل شملت أيضاً حالة بلديهما. ففي زمن بروز نصرالله لم يختلف لبنان عن العراق الحالي في تفصيلات كثيرة. إذ تداخلت في البلدين صراعات الداخل مع مصالح الخارج وتدخلاته. وكانت بيروت، كما بغداد اليوم، تترنح من الألم بفعل الإضطرابات ورياح الحرب الأهلية، فيما توزّع أهلها بين عراء الهجرة وقفار الموت. أما لبنان والعراق فإنهما قاسا الأمرّين تحت الإحتلال: السوري والإسرائيلي في لبنان والأميركي في العراق.

في مربع آخر، تشابهت الفضاءات في نشوء العلاقة بين الرجلين ونفوذ إيران. ففي الزمن الأول لنصرالله، كان الداخل اللبناني يعيش مدّاً لافتاً لنفوذ الإيرانيين خصوصاً في ظل رئيس عملياتهم الخارجية، آنذاك، السفير الإيراني في دمشق محتشمي. وكانت المناطق الفقيرة في بيروت والجنوب اللبناني بمثابة القواعد الأولى لإنطلاق المدَ. في الفضاءات نفسها، تمتعت حركة أمل، معها المجلس الشيعي اللبناني الأعلى، بعلاقات وطيدة مع طهران. لكنهما حرصا، في الوقت نفسه، على إبقاء بعض المسافة بين الوطن اللبناني والحليف الإيراني. في هذا المقطع الزمني، جاء نصرالله. وحينما جاء، رأى أن مهمته (المقدسة) الأولى تتمثل في شطب المسافة بين بلاده وإيران.

أما في العراق، فقد برز الصدر في ظروف مشابهة، وعبر المناطق الفقيرة في بغداد والجنوب العراقي. يشار الى أن الكتلة الشيعية في العراق، قبل الصدر، توزعت بدورها في الولاءات السياسية بين حزب الدعوة والمجلس الإسلامي العراقي الأعلى. ورغم أن التنظيمين تمتعا بعلاقات قديمة ووطيدة مع إيران، إلا أن الحرص ظلّ بادياً عليهما، كما الحال في لبنان، على الإحتفاظ بمسافة معقولة مع إيران. الصدر، من ناحيته، ما أن وصل، حتى بادر الى ركض المسافة بين بغداد وطهران بسرعة ماثلت سرعة نصرالله. الأكثر غرابة، هنا، أن سوريا في الحالتين كانت بمثابة المعبر الرئيسي للتواصل والتلاقي. وفي الحالتين، أيضاً، كان الأميركان وإسرائيل هم الأعداء.

في مربع ثالث، تميز الرجلان، وما زالا يتميزان بإضطراب هائل في طبيعة علاقاتهما مع السلطة أو الحكومة أو المعارضة في لبنان والعراق. فلكل منهما نواب في البرلمان ووزراء في الحكومة ومقار حزبية علانية. مع هذا، لا ينفك الرجلان يتحركان بإعتبارهما معارضة. بل حتى في معارضتهما لا يستأنسان بضوء النهار والعلانية، إنما يستمرءان العمل شبه السري والإختفاء عن الأعين وبناء الميليشيات في معسكرات مغلقة وإمتلاك مخازن تحت الأرض للأسلحة والكاتيوشات والصواريخ الكبيرة. بل يستمرءان أيضاً إستخدام الخزين المدمر كلما وجدا أن مصلحة ميليشياتهما وإمتداداتهما الخارجية تتطلب ذلك. في كل ذلك، ينطلق الرجلان من إيمان مطلق بالحوزة الناطقة الإقتحامية، وقناعة تامة بأن السلاح لا يمثل ضمانة للوجود والديمومة فحسب، بل المبرر الأكثر أساسية لإنسانية الإنسان.

في مربع رابع، يدرك الإثنان الأهمية القصوى لتثبيت الأقدام في العاصمة، خصوصاً في أحيائها وضواحيها البعيدة عن إزدحام المركز. فالبصرة مهمة، كذلك الصور والنجف الأشرف وجبل عامل. لكن العاصمة دوماً هي الأهم: الضاحية الجنوبية في حالة بيروت، ومدينة الثورة (مدينة الصدر حالياً) في حالة بغداد. ففي العواصم، بحسب قناعات الزعيمين، يمكن توجيه الضربات المؤذية والقاصمة الى الهدف مباشرة. اللافت أن الضاحيتين الشيعيتين في بغداد وبيروت تضمّان كمّاً بشرياً هائلاً من الفقراء والمعدمين المستعدين، دوماً، للتحول الى حطب دائم للثورات والإنتفاضات والشغب المسلح.

ثم، ماذا عن الرؤية السياسية؟ هنا أيضاً، يفتقد الزعيمان المهووسان بالميليشيات الى رؤية واضحة: هل الهدف هو إقامة دولة دينية على غرار إيران؟ كثير من الإشارات يشي بذلك. هل هو إيجاد طريق للتصالح والتناغم مع أنظمة الحكم القائمة؟ هنا أيضاً، إشارات أخرى. أم أن الهدف هو محاربة أميركا وإسرائيل والقوى المعتدلة في المنطقة؟ أو محاربة حكومة فؤاد السنيورة في لبنان ونوري المالكي في العراق؟ إشارات متناقضة لا يجمعها رابط. الأكيد الوحيد في خضم هذه الأسئلة أن الرؤية السياسية في التجربتين مضطربة. والأكيد أيضاً أن نصرالله والصدر ليسا سوى بعضاً من مشهدين متلازمين في إطار صورة واحدة.

سياسي وأكاديمي كردي

التعليق