جميل النمري

النكبة المستمرة منذ ستين عاما

تم نشره في الخميس 15 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

نكبة الفلسطينيين عيد اسرائيل، لكن النكبة ليست يوما يتذكره كل طرف بطريقته, إنها مسلسل مستمر الى اليوم، والفلسطينيون الذين غادروا قراهم وكرومهم وبيوتهم في تلك الأيام، ما كانوا يعتقدون إلاّ أنها أيام وأسابيع حتى تهدأ الأمور ويعودون.

 آلاف القصص، التي تصلح كل واحدة منها لكتابة دراما كاملة، حدثت وأصبح رمزها ذلك المفتاح القديم الذي يحتفظ به الآباء والأجداد، لكن أي من هؤلاء لم يتخيّل على الأرجح أن النكبة ستستمر لستين عاما، حتى اليوم يضرب الفلسطينيون ويحاصرون ويقتلون ويهجّرون وتبنى مستوطنات جديدة على أرضهم.

 كنّا نقرأ، أطفالاً، عن يوميات النكبة وعن ثورة الـ36، وعن حرب الـ48. ونعضّ الأصابع ندما أو غضبا على غفلة الآباء.. كيف سمحوا أن يحدث ما حدث؟ كيف أمكن للصهيونية أن تتسلل شيئا فشيئا فتبني قاعدتها في فلسطين ثم تخطف البلاد من أصحابها، لو أنهم انتبهوا مبكرا؟! لو أنهم لم يقعوا في كل تلك الأخطاء والخطايا التي قرأنا عنها وبدت لنا تاريخا سحيقا يجب أن نبذل جهودا مضاعفة لتصويبه، أي لتحرير الأرض.

 ولم نعرف أن المزيد يتربص بنا وأسوأ، فقد اقتنعنا لاحقا أنها الخيانة والمؤامرة وليست الغفلة والضعف وقلّة الدراية، حتّى حاقت بنا هزيمة 67، وفي القيادة أعتى زعامة وطنية في التاريخ العربي. كنّا نريد إيضاحات فورية عن السرّ وتابعنا كل خبر وإشاعة من تلك التي كانت تغلي بها الصحف والمجالس ووسائل الإعلام، وكنّا نتعجّل الثأر، سنة سنتين..، لكن ليس أكثر وما كان ليخطر ببالنا إطلاقا أننا وبعد 41 عاما على تلك الحرب سنكون ما زلنا نبحث في "إزالة آثار العدوان" و.. دون حظّ من النجاح!.

 لم يعد هناك أي حماس أو أمل بحرب ردّ اعتبار بعد أكبر حرب أمكن للعرب خوضها عام 73، تمّ فيها تسخير أقصى إمكانيات متاحة للأمّة بما في ذلك سلاح البترول، حرب كانت ذروة الإنجاز فيها عبور القناة لبضع كيلومترات مقابل عبور اسرائيلي معاكس، ثم مفاوضات لم تثمر نتيجة إلا عندما استعدت مصر للتخلي عن بقية العرب مقابل استعادة سيناء.

 لم تعد اسرائيل قادرة على التوسع وخبرت ذلك في جنوب لبنان إذ اضطرت في النهاية أن ترتد على أعقابها، لكن في فلسطين تستمر النكبة وقد تم إعادة تحجيم الضفّة بالجدار العازل ويعيش الفلسطينيون في معزل وبين حواجز تذيقهم العذاب، ومازالت أرضهم تصادر والمستوطنات تتوسع.

 لن نطرح سؤال ما العمل! فالبديل للمفاوضات وعزوف وعجز العرب عن المواجهة بقي للفلسطينيين أن يجربوا طريقا انتحاريا، القتال وحدهم، وبما توفر من وسائل وفق ما عبّرت عنه ظاهرة حماس، والآن فإننا بالكاد نظفر بوقف لإطلاق النار.

 النكبة مستمرة، لكن فاتت فرصة إخفاء الفلسطينيين من الوجود، فهم موجودون داخل وخارج أرضهم، ولن يكونوا خلال سنين بأقل من عدد اليهود على أرض فلسطين. وهكذا فالمشكلة قائمة وستبقى قائمة. هي أزمة عبرت القرن العشرين كله ومازالت مفتوحة بالكامل خلال هذا القرن الحادي والعشرين، وليس ممكنا حصر تأثيرها على حياة القرن الفائت، ومازال علينا أن نتوقع المزيد.

 وقد وقع بين يدي سيرة مثيرة للروائي اليوناني كازنتزاكي عن رحلة حجّ له في الثلاثينات الى فلسطين وتحدث عن المشروع الخيالي لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وقال: إنه شعر بالرعب من الآثار الخطيرة لهذا الاحتمال، وكان يصلي ألا يحدث. وفكرت كم كان رؤيويا هذا الرجل، وهو يتحدث عن المشروع بوصفه كابوسا، لا يجب أن يتحقق، لكنه تحقق والعالم مازال يدفع الثمن.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اليوم وماذا غدا (احمد نجيب)

    الخميس 15 أيار / مايو 2008.
    اخي جميل ما تسمى اسرائيل اليم تحتفل ومعها العالم تقريبا على امتلاك ارض العرب فلسطين وارجو ان اكون مخطئا انه بعد (60) عاما اخرى يحتفل العالم ومعه صنيعته اسرائيل بأمتلاك ثروات العرب !!! طالما نحن ...الباقي عنكم .
  • »60 عاماً على النكبة (عاصم مروان حياصات)

    الخميس 15 أيار / مايو 2008.
    ستون عاماً من النكبة و في كل عام ألف نكبة و نكبة. ستون عاماً مضت على ضياع فلسطين لم تكن كافيةً لتعلمنا كيف نتفادى نكبات شبيهة, فبدل أن نعيد فلسطين نجد أنفسنا نفرِّط بالمزيد من أرضنا و تاريخنا و تراثنا. ها هو العراق بعد ستين عاماً من نكبة فلسطين يرزح تحت احتلالٍ بغيضٍ لا يقل إجراماً عن الصهاينة في فلسطين. احتلاٌل كانت غايته الأولى حماية حدود اسرائيل بتخليصها من نظامً طالما كان المهدد لأمن اسرائيل, الرافض للاعتراف بها و المنادي بفلسطين حرة عربية من النهر إلى البحر.الواقع الفلسطيني يُرثى له, فبدل أن نشهد وحدةً داخليةً لدحر العدو الصهيوني من فلسطين التاريخية, نجد أن الأشقاء يتقاتلون فيما بينهم على سلطةٍ منزوعة السيادة و على مقعدً في وزارةً لا تدير إلا نفسها , و أصبح التفريط سمة المفاوضات العبثية التي يقودها رجال عباس. و لنا في لبنان قصةٌ أخرى, فبعد نكباتنا المتتالية , أبى اللبنانيون إلاّ أن يكون لهم مكانٌ بين هذه النكبات, فها هو لبنان قاب قوسين أو أدنى من حربٍ أهليةٍ إن وقعت-لا قدّر الله- فإن المنطقة بأسرها ستشهد اقتتالاتٍ طائفية و مذهبية.

    حمى الله أمتنا العربية من المزيد من النكبات التي لم نعد قادرين على احتمالها و احتمال تبعاتها.
  • »عار (ف الفايز)

    الخميس 15 أيار / مايو 2008.
    إسرائيل قتلت كرامتنا من البحر الى النهر ، ونحرت رجولتنا من البحر الى البحر ، ونحن تشتتنا في مرافىء التناكف والتعارك والتخالف ، والزعامات ، منذ عصبة الأمم ونحن نحشّد حتى قمة الاءات الثلاث ، وتركنا أرضنا محروقة ولا نزال نحدث أطفالنا كما حدثونا آهلونا عن قصة العنزات الثلاث .

    اعتدنا النكبات ، حتى بتنا نتناكب ، ان لم نُنتكب ، بحثنا عن قبعات غريبة تحمينا من أنفسنا ، فثارت العرب على العرب ، وجئنا بخيول غريبة لتطاردنا في فيافي بلادنا ، واستوردنا صيادي مكافآت لتطاردنا بنادقهم ، فترانا كالآيائل تثير الغبار ورى وقع قوائمها ، تفر الى كل الإتجاهات ، لتختبىء من انهمار الطلقات ، فأزيز الرصاص يدب الذعر في ذاكرتنا ، فالهاغانا حاربونا بالرصاص ، واقتلعونا بالرصاص ، وهيكلوا كيانا ليصبح دولة بالرصاص ، ونحن لله درنا ، حاربناهم أيضا بالرصاص ، سنين طويلة اقحلت بلادنا ، جراء زراعتنا لأوراق الشجب والاستنكار والإدانات ، وكل ذلك بالرصاص ، تحديدا بأقلام الرصاص ، حاربناهم طويلا بأقلام الرصاص ، فلم ننل من قلوبهم رحمة ، رغم الابتسامات حول طاولات المفاوضات والنقاشات ، كل ما نقوله ليس سوى غبار ، تنظفه خراطيم مياه بلدية تل أبيب كل صباح .

    والقدس لا تزال مكومة الرأس بين كفي رحمة الله ، تخشى من أن ترفع رأسها ، فيُرى وجهها الخجول من خناعة أبناء عروبتها .

    تل أبيب تقتلنا باسم التوراة تارة ، وباسم الارهاب تارة ، وسرقت أم عروبتنا ، وهتكت ستر مروءتنا ، واكتشفنا النفط في اعماق صحراءنا ، ولم نكتشف النخوة ولا المروءة في ذواتنا ، يا لعارنا .