محمد برهومة

هل يتناقض تقديس آل البيت مح حسن الجوار؟

تم نشره في الأحد 11 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

أواخر الشهر الماضي، خرجت مظاهرات إيرانية أمام سفارة دولة الإمارات في طهران تدافع عن "فارسية" الخليج، وتحتج على تسمية الإمارات والدول العربية الخليج بـ"الخليج العربي". وقبل أيام قدّمت إيران احتجاجين: الأول لمحرك البحث "غوغل" والثاني للحكومة العراقية، حيث احتجت طهران على "غوغل"؛ لتسميته الخليج بـ"الخليج العربي"، واحتجت على الحكومة العراقية لتأييد العراق حق الإمارات في الجزر الإماراتية (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى) التي تحتلها إيران منذ العام 1971.

هذه العصبية القومية في إيران يكاد تعزيزها يكون أحد أهم أولويات الاستراتيجية الإيرانية في  المنطقة. ويخطئ من يقرأ الهوية الإيرانية على أنها هوية إسلامية في المقام الأول، إذ إن الهوية القومية الفارسية تتقدم على ما سواها، وكل خطاب أو شعارات إيرانية عن "الأمة الإسلامية" هي مجرد خطابات لا تصمد كثيرا أمام السياسات الفعلية لإيران، وقد كُتب كلام كثير حول هذه المسألة. وليس هذا الكلام مصادرة على أي شعب بأن يعتز بحضارته وثقافته ولغته وتراثه، لا سيما وأن الحضارة الفارسية من أقدم وأعرق الحضارات في العالم. لكن إيران المسْلمة لا تقدم لجيرانها النوايا الحسنة والمبادرات السلمية التي تسعى لإقامة علاقات جوار طبيعية متكافئة، تقوم على المشترك الإسلامي وروابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المتبادلة.

إن حساسية إيران تجاه تسمية منطقة الخليج بـ"الخليج العربي" في تصاعد لافت للنظر منذ سنوات، وهذه الحساسية المتصاعدة تتزامن مع شعور قومي إيراني متضخم، ينطوي على شعور بـ"الفوقية" ، فيما يسبغ على الطرف العربي، وخاصة دول الخليج، صفات "الدونية"، ومن يطالع الصحف الإيرانية، سيعثر على إشارات كثيرة تؤكد ذلك. ويشير الباحث في الشؤون الإيرانية، يوسف عزيزي، إلى ان المثقف الإيراني عموما ينظر نظرة استعلائية إلى المثقف العربي، إذ ينظر إليه كنظرة الإنسان "المتحضر" إلى الإنسان "البدوي"، وربما يستثني الإيرانيون من ذلك مصر، وهي في رأيهم دولة غير عربية (ذات أصول فرعونية)!!

ورغم أن الخطاب "الشوفيني" في إيران تجاه العرب تكرّس أساسا في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي، ورغم تراجعه بعد الثورة الإيرانية عام 1979، إلا أن التراجع لا يعني الغياب، بل ما يزال حاضرا في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام. ومنذ إنشائه عام 1981 رفضت "إيران الثورة" تسمية مجلس التعاون الخليجي بمجلس تعاون الخليج العربي، ما اضطر دول الخليج كبادرة حسن نية، ونزولا عند رغبة الجار الإيراني المسلم إلى تسميته بـ"مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، سابغة وصف "العروبة" على الدول تاركة الخليج دون وصف. كما رفض آية الله الخميني اقتراحا من منظمة المؤتمر الإسلامي بتسمية الخليج بـ"الخليج الإسلامي" كوسيلة للخروج من الخلاف بين دول الخليج العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988) كانت سببا في زيادة الخطاب القومي الإيراني الكاره للعرب، واسهمت خطابات عربية شوفينية مرفوضة ضد إيران وخطابات إسلامية مرفوضة ضد الشيعة، في تنمية الخطاب الإيراني المعادي للعرب، وربما يكون من التأثيرات الجزئية التي نشأت عن سقوط نظام حركة "طالبان" الذي ناصب الشيعة عداء غير مبرر في أفغانستان، وسقوط نظام صدام حسين، الذي لم يقصّر هو الآخر في ظلم الشيعة واضطهادهم.. ربما يكون من تأثيرات ذلك تصاعد الحساسية القومية الإيرانية، وتوظيف المذهبية لتحقيق أهداف سياسية قومية محضة، ظهرت في شكل شعور بالتفوق الإقليمي، وربما يرى الساسة الإيرانيون أن من لوازمه إبداء مزيد من التشنج والتشدد إزاء مسمّى "الخليج"، أو إزاء الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة، وصولا إلى درجة عالية من التشدد الشوفيني، والنّفَس التوسعي من خلال الحديث عن دولة البحرين بوصفها اراضي إيرانية.

وقد نقل الإعلامي الكويتي حمد الجاسر عن المفكر اللبناني شكيب أرسلان الذي زار طهران أوائل القرن العشرين أنه تساءل باستغراب بعد زيارته: كيف يجتمع عند الإيرانيين هذه الكراهية للعنصر العربي وكل ذلك التقديس والتبجيل لأسرة عربية هم آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

إذا سادت الثقة المتبادلة، والرغبة في تنمية المصالح المشتركة، والحفاظ على أمن الإقليم، واحترام روابط حسن الجوار.. يمكن أن تكون مسألة مسمى "الخليج" مسألة ثانوية، فعلى ضفتي الخليج يعيش فرس وعرب، والحديث عن أنه عربي فقط فيه قصور، كما أن الحديث عن أنه فارسي فقط فيه قصور، وتسميات من قبيل "الخليج" أو "الخليج العربي ـ الفارسي" أو "الخليج الإسلامي" تقدّم مقاربات توافقية لا بأس بها. لكن المسألة ليست في التسمية بحد ذاتها، بل حين تلبس الأسماء لبوس الفوقية والهيمنة والاعتداء على حقوق الآخرين، والتدخل في شؤونهم ورفض المساعي السلمية لإعادة حقوقهم وأراضيهم، وكل ذلك تحت شعارات برّاقة عن "الأمة الإسلامية"!

moweanla@yahoo.com

التعليق