أهي بداية جديدة للصين واليابان؟

تم نشره في السبت 10 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

 يعتزم الرئيس الصيني هيو جينتاو القيام بزيارة رسمية عالية المستوى إلى اليابان أثناء الفترة من السادس إلى العاشر من مايو/أيار، وبهذا يصبح الرئيس الصيني الثاني الذي يزور اليابان على الإطلاق. ويتم الآن التحضير لهذه الزيارة بكل حرص من جانب الدولتين. ويترقب العالم أجمع نتائج هذه الزيارة بلهفة، وذلك لسبب وجيه: إذ إن العلاقات الصينية اليابانية كانت طيلة العقد الماضي غير مستقرة على أقل تقدير.

حين سافر جيانغ زيمين سلف هيو إلى اليابان منذ عشرة أعوام، كانت العلاقات الثنائية بين البلدين تشهد نوعاً من التدهور: حيث لم تكن الصين سعيدة إزاء رفض الحكومة اليابانية تقديم اعتذاراها للصين بسبب اعتداءاتها الماضية، كما فعلت مع كوريا الجنوبية؛ كما شعرت اليابان بانزعاج بالغ وهي تراقب نهضة الصين ونزوعها إلى المجابهة والتحدي. وتناولت وسائل الإعلام اليابانية الزيارة بقدر عظيم من السلبية، حتى أنها وصِفَت بعد ذلك باعتبارها كارثة دعائية.

جاء هيو خلفاً لجيانغ في العام 2002، بينما كان رئيس الوزراء الياباني الأسبق جونيشيرو كويزومي يوشك على تولى السلطة في اليابان، ولقد شجع على تبني "فكر جديد" في التعامل مع اليابان، وهو الأمر الذي كان يستلزم تجاوز المظالم التاريخية وتعزيز الروابط بين البلدين. ولكن بدلاً من قبول غصن الزيتون الذي عرضته الصين، تبنى كويزومي أجندة قومية النـزعة، اشتملت على زيارات سنوية لضريح ياسوكيني، والذي ينظر إليه جيران اليابان باعتباره رمزاً لطموحاتها العسكرية. ولقد تسبب خطه المتشدد في عزل اليابان وإثارة غضب الصين، الأمر الذي أدى بالتالي إلى اندلاع المظاهرات المناهضة لليابان في الصين في العام 2005.

بيد أن الصين واليابان أدركتا أن أي توتر في العلاقات بينهما لن يخدم المصالح بعيدة الأمد لكل من الدولتين في المستقبل. ولقد سعى رئيسا الوزراء شينزو آبي وياسيو فوكودا، خليفتا كويزومي، إلى إشراك الصين طيلة العامين الماضيين، من خلال لقاءات القمة التي انعقدت في بكين والزيارة الناجحة التي قام بها رئيس الوزراء الصيني وين جياباو إلى اليابان في العام الماضي.

من المرجح أن يسير هيو في زيارته على نفس الخط الذي سار عليه وين. ومن المتوقع أن يؤكد على المصالح الإستراتيجية المشتركة، وأن يسلط الضوء على الفوائد الاقتصادية المتبادلة، وأن يسعى إلى كسب تأييد الرأي العام، وتعزيز سبل التعاون والتبادل. إن اليابان ليست واحدة من أضخم شركاء الصين على الصعيدين التجاري والاستثماري فحسب، بل إنها أيضاً الدولة المجاورة الأعظم قوة، والتي ترغب الصين في أن تكون على علاقة طيبة بها، للبرهنة في المقام الأول على أن نهضة الصين لا تمثل تهديداً لآسيا وبقية العالم.

أما اليابان، التي يرجع استردادها لعافيتها الاقتصادية إلى تعميق الروابط بينها وبين الصين أثناء الأعوام الأخيرة، فهي متلهفة أيضاً إلى البرهنة على أنها لا تنظر إلى الصين باعتبارها تهديداً بل باعتبارها فرصة، من المنظور الاقتصادي على الأقل. منذ ثلاثين عاماً وقَّع رئيس الوزراء الياباني الأسبق تاكيو فوكودا، والد رئيس الوزراء الحالي، معاهدة سلام وصداقة مع الصين. ومن المؤكد أن الحكومتين سوف تستغلا مناسبة زيارة هيو للاحتفال بالعيد السنوي لهذه المعاهدة بالاستعانة ببرامج جديدة مصممة لتعزيز التفاهم والصداقة بين البلدين.

ولكن على النقيض من الحال منذ ثلاثة عقود من الزمان، حين كان اليابانيون ينظرون إلى الصين باعتبارها الدولة الأكثر استحقاقاً للتفضيل، أصبح الرأي العام في البلدين اليوم يتسم بقدر أعظم من المشاعر السلبية. فخلف الابتسامات وتبادل المجاملات، واللغة الدبلوماسية الحريصة الحذرة، ما زالت هناك ظلال كثيفة من الشكوك.

كما تظل هناك مشكلة المياه الإقليمية المتنازع عليها عند شرق بحر الصين. فعلى الرغم من المشاريع الجديدة المشتركة في مجال كفاءة استخدام الطاقة وحماية البيئة، وهما المجالان اللذان تنظر الصين فيهما إلى اليابان باعتبارها الدولة صاحبة الأداء الأفضل بين الدول الصناعية، إلا أن النزاع يظل قائماً بين البلدين بشأن المياه الإقليمية، التي قد تحتوي تحت قاعها على مخزون ضخم من النفط والغاز والمعادن. وحتى بعد العديد من جولات المحادثات، ما زال التوصل إلى حل في هذا الشأن يُـعَد أمراً بعيد المنال. وليس من المتوقع أن تؤدي زيارة هيو إلى أي تقدم مفاجئ فيما يتصل بهذه القضية.

ثم هناك بعض الشكوك الإستراتيجية التي ما تزال قائمة. فقد تجاهل فوكودا المحادثات التي بدأها آبي بشأن "قوس الحرية" ـ وهو المشروع الذي يسعى إلى تأسيس كتلة مع الولايات المتحدة، وأستراليا، والهند. إلا أن اليابان تظل منـزعجة إزاء التحديث السريع للمؤسسة العسكرية الصينية، بينما تخشى الصين اشتراك الولايات المتحدة واليابان في إستراتيجية احتواء للصين، وخاصة في حالة نشوء أزمة تتعلق بمضيق تايوان. إذاً، فرغم تأييد الجانبين لفكرة "العلاقة الإستراتيجية المفيدة للطرفين"، ورغم التقدم الثنائي على صعيد التبادل العسكري، إلا أن بناء الثقة المتبادلة ما زال يتطلب المزيد من الجهود الحثيثة.

فضلاً عن ذلك فإن المبدأ المتبع اليوم، والذي يقوم على "دفء العلاقات السياسية وفتور العلاقات الاقتصادية" يتناقض مع "فتور العلاقات السياسية ودفء العلاقات الاقتصادية" أثناء ولاية كويزومي. ففي غضون العام الماضي تقلصت المشاريع الاستثمارية اليابانية في الصين بنسبة 24% مقارنة بالعام 2006، بينما تناقص حجم الاستثمار الحقيقي بنسبة 25%، وهو ما يرجع جزئياً إلى التغييرات التنظيمية التي طبقتها الصين في مجال الاستثمار الأجنبي. كما ساعدت القضايا الأخيرة المتعلقة بسلامة الغذاء في تسليط الضوء على الحساسية التي يتسم بها الرأي العام الياباني في التعامل مع الصادرات الصينية.

وأخيراً، قد تطفو القضايا التاريخية إلى السطح من جديد لإحداث مشاكل جديدة. فرغم تأكيد فوكودا أنه لن يزور ضريح ياسوكوني، إلا أن 160 من أعضاء البرلمان زاروا الضريح في الشهر الماضي، وهو ما يشير إلى أن القوى المحافظة في اليابان ما زالت تتمتع بقوتها وأن رؤساء الوزراء القادمين قد لا يمتنعون في المستقبل عن زيارة ضريح ياسوكوني. ولقد فشلت اليابان حتى الآن في الوفاء بالتزاماتها التي تفرضها عليها تعهداتها بإزالة الأسلحة الكيميائية التي خلفها الجيش الياباني من ورائه في الصين مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي يتراوح عددها ما بين السبعمائة ألف إلى المليوني سلاح. وبطبيعة الحال فقد تندلع أزمة أخرى إذا ما تسببت هذه الأسلحة في إحداث أي خسائر أو إصابات في الصين.

* نائب مدير معهد الصين بجامعة ألبرتا، وكبير زملاء مؤسسة آسيا والباسيفيك في كندا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق