ليس لدينا ما نخسره"!

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2008. 02:00 صباحاً

بعد أيام تمر الذكرى الستون على نكبة فلسطين، واحتلالها وتشريد شعبها وقيام دولة إسرائيل على أرضه ودياره، في مأساة ما نزال نحيا فصولها الفجائعية. التضحيات ضخمة وكثيرة، والإنجازات الوطنية قليلة، وما تحقق منها مهدد بالضياع.

الحياة في الأراضي الفلسطينية المحتلة اليوم معطّلة، ولا يكاد هناك شيء يسير على ما يرام أو بشكل طبيعي، والسبب الأول والأخير هو قسوة وعنف الاحتلال الإسرائيلي وسياساته العدوانية، فهو أساس المآسي والمعضلات والأوجاع التي يعيشها الفلسطينيون. لكن بين السبب الأول والأخير تكمن أسباب لعطالة الحياة تلك وبؤسها تعود إلينا، وبسبب ما قدمت أيدينا، ولا يجوز الاستمرار في إصباغ طابع من "القداسة" على القضية الفلسطينية تحول دون النقد الذاتي ومراجعة الأخطاء، ومواجهة النفس بالخطايا التي نرتكبها بحق أنفسنا. وأكبر ظلم للنفس أن نسهم من حيث ندري أو لا ندري في إيذائها، دون أن نكتفي بما يفعله المحتل فينا من جرائم وإيذاء واحتلال واستيطان وقتل لمعاني الحياة.

يوذي الفلسطينيون أنفسهم باستمرار الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع، وبين حركتي "فتح" و"حماس". ويؤذي الفلسطينيون أنفسهم حين يحشرون مفهوم مقاومة الاحتلال بـ"إطلاق الصواريخ" أو القيام بـ"عمليات انتحارية / استشهادية/ فدائية" ... سمها ما شئت.. دون أن يوازنوا بين المكاسب والمخاسر، ويربطوا أعمال المقاومة بفوائدها السياسية ونتائجها على المستوى الاستراتيجي ومجمل المشروع الوطني.

يخطئ السياسيون الفلسطينيون حين لا يربطون "عدالة" قضيتهم وحقوقهم بموازين القوى، ودور المجتمع الدولي في التأثير في تلك القضية والحقوق.

أليس تعزيز الصمود من أهم أدوات مقاومة الاحتلال؟ أليس تعزيز النسيج الوطني خير "ممانعة" لمخططات الاحتلال؟ أليس بناء الذات والمؤسسات الوطنية وعدم تحويلها إلى "دكاكين" حزبية، ومنابر فصائلية جزءا من المقاومة؟ أليس من المقاومة قول الشاعر الفلسطيني سميح القاسم:" إن أجمل قصائد المقاومة هي قصائد الحب التي تتغنى بالحياة وتنتصر للشغف"؟ أليس قصورا أن يكتب الأدب الفلسطيني بالجسد وحده، كما ألمح إلى ذلك ذات مرة الشاعر محمود درويش، الذي قال أيضا :"إن الشعر الوطني الرديء يسيء إلى صورة الوطن" فكيف بالسياسات المدمرة والاستراتيجيات الرديئة؟.

إن من أهم مبادئ ثقافة المقاومة الرشيدة الانتصار للحياة والشغف بها، والتأسيس لثقافة الحياة بدلا من "ثقافة الاستشهاد"، وهذا الكلام رغم بدهيته فإنه يكاد يذوي في تفاصيل النزاع الفصائلي وغياب البوصلة الوطنية. ولو عدنا مثلا إلى الجدل الذي أثاره كتاب "قول يا طير" الذي يحتوي قصصا تراثية وشعبية فلسطينية قبل شهور، وما أثارته مثلا حركة "حماس" حول احتفالية فلسطينية في رام الله قبل أسابيع احتوت على رقصات شعبية وأهازيج فلسطينية، متهِِمة من يقوم على تنظيم هكذا احتفالات بـ"الرقص على جراح الشعب الفلسطيني".. فإننا سنجد أنفسنا أمام صورة رثة، وقصر نظر عن مفهوم المقاومة، التي من معانيها محاربة الإحباط وانكسار الذات، وتوسيع هوامش الفرح والتفاؤل وترسيخ معاني الأمل والثقة بالمستقبل.

في ذكرى النكبة لا ينشغل العرب اليوم (الذين يفتقدون في الحقيقة لأي مشروع عربي) بقضية فلسطين وحدها، فهناك العراق ولبنان والفقر والبطالة ومشاكل الطائفية ومكافحة الإرهاب...

أخطاء السياسيين الفلسطينيين تكاد تطمر أي دور للشعر أو القصة أو الرواية أو للفنون التشكيلية في مقاومة الاحتلال، أو تقديم صورة عن الشعب الفلسطيني تستهدف جلب التعاطف الدولي، وإثارة الرأي العام لصالح القضية الفلسطينية، بوصف الشعب الفلسطيني ضحية للاحتلال، بدلا من ان يصوّر نفسه، بسبب عقم بعض سياسييه وفصائله، إلى متصارعين على السلطة، ومفتونين بالشهادة كغاية لا وسيلة. وبوسع أصغر قائد في فصيل فلسطيني، أن يطلق تصريحات إعلامية من شأنها أن تفسد ما بناه إدوارد سعيد أو محمود درويش طيلة عقود مضت!

ثمة خلل في الأبنية الذاتية والمؤسسات الوطنية ووسائل وآليات النضال، وهناك سوء إدارة للصراع مع المحتل، وعدم قدرة على صياغة برنامج وطني موحد. ثمة فشل في التأمل بمدى التغيير الهائل الذي أصاب المناخ الدولي بعد احداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ، حيث لا مقبولية للعمليات الانتحارية مهما استندت إلى ذرائع ومبررات.

طيلة ستة عقود راهن العرب والفلسطينيون على أن يصبح العدو/ المحتل ( ومن يدعمه) عادلا في التعاطي مع قضيتنا، وما تلك المراهنة إلا تعبير عن غياب فاعليتنا، التي وصلت ذروة انسدادها عبر مسعى من لا يتمكن من تغيير واقعه، بأن يسعى لصناعة مستقبله في الحياة الآخرة عبر إفناء الجسد والروح، فتماهت المقاومة برؤية تضحوية للخلاص الفردي، بدلا من أن تكون شكلا عقلانيا لنيل الحقوق.

مقاربتنا للنكبة ركّزت على أخطائنا التي تسهم في استدامتها، وهي المهمة الأصعب، لأن من السهل شتم العدو والمحتل، الذي من طبعه إجهاض أحلامنا بالتحرر. وما أردت قوله هو: حين لا تكون التضحيات الجسام مشفوعة بنتائج موازية أو مهمة على الأقل، فإنها تدفع أي عاقل للتريث والتأمل وتغيير المسار، بدلا من الإمعان في تقديس التضحية من دون ثمار مجدية، والإيغال في ظلم النفس وأذاها عبر قلب معادلة: ماذا كسبنا من تضحياتنا واستراتيجيات التفاوض والمقاومة التي خضناها؟ بالقول البائس:" سنموت أكثر لأن ليس لدينا ما نخسره"!

moweanla@yahoo.com

التعليق