"الشرق الأوسط الجديد" الناشئ

تم نشره في الخميس 1 أيار / مايو 2008. 03:00 صباحاً

لا أحد يستطيع أن ينكر أن السياسة التي يتبناها الرئيس جورج دبليو بوش في التعامل مع الشرق الأوسط نجحت في إنجاز شيء واحد: فقد تسببت في زعزعة الاستقرار في المنطقة بلا أدنى شك. أما فيما عدا ذلك فقد جاءت النتائج بعيدة كل البعد عما تمنت الولايات المتحدة إنجازه. فالشرق الأوسط الآن ليس أقرب إلى تأييد الغرب من أي وقت مضى.

ولكن رغم أن الأمور لا تجري كما يشتهي المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية، إلا أنها تتطور. فقد تسبب الفشل التاريخي في العراق نتيجة للحرب، وزوال القومية العربية العلمانية، وارتفاع أسعار النفط والغاز إلى عنان السماء في إحداث تغييرات عميقة في المنطقة. فقد بدأ الآن نشوء شرق أوسط جديد، من دمشق إلى دبي ومن تل أبيب إلى طهران.

لقد نشأ الشرق الأوسط القديم نتيجة للحدود والهويات السياسية التي خلقتها القوى الأوروبية في أعقاب سقوط الإمبراطورية العثمانية في العام 1918. وكانت القوة الإيديولوجية الدافعة لتلك النشأة تستمد من القومية العلمانية المستلهمة من أوروبا. ولقد ناضلت هذه القومية العلمانية من أجل إحداث التغيير السياسي والاجتماعي عن طريق العمل الحكومي المتوجه من القمة إلى القاعدة. وبلغ هذا النوع من القومية، أو "الاشتراكية العربية" ذروته أثناء الحرب الباردة، حين كان بوسع العرب أن يعتمدوا على الدعم السوفييتي عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

ثم جاءت نهاية القومية العلمانية في المنطقة بنهاية الاتحاد السوفييتي، فتحجرت وتحولت إلى استبداد وفساد وأنظمة عسكرية ودكتاتورية عاجزة. كما أدى سقوط الاتحاد السوفييتي إلى أزمة عسكرية شديدة في العديد من الدول العربية: فمن دون الدعم السوفييتي باعتباره ضماناً لقدراتها العسكرية، لم تعد الأنظمة القومية الحاكمة قادرة على ملاحقة التحديث العسكري.

ومن هنا بدأت الأنظمة القومية الحاكمة في خسارة شرعيتها الشعبية المحلية بالتدريج، الأمر الذي أدى إلى الفراغ الذي سارعت القوى غير المنتمية إلى دولة بعينها إلى سده. كما تغيرت القوى الإيديولوجية وأساليب تداول السلطة، بعد أن حل الإسلام محل العلمانية بعد أن نجح بمهارة في الدمج بين القضايا الاجتماعية والنـزعة القومية الثورية المناهضة للغرب.

اليوم، ما نزال نستطيع العثور على ملامح الشرق الأوسط القديم في سورية، ومصر، واليمن، وتونس، والجزائر، وفلسطين تحت سيطرة فتح. أما الشرق الأوسط الجديد فيتضمن دبي، والإمارات الخليجية، وإسرائيل، علاوة على حزب الله وحماس والإرهاب الجهادي - وجزئياً، إيران والمملكة العربية السعودية. وتحاول بعض البلدان، مثل الأردن والمغرب، ربط نفسها بالشرق الأوسط الجديد.

من الواضح، كما تقترح هذه الأمثلة، أن "الجديد" لا يعني بالضرورة "الأفضل"، بل يعني ببساطة المختلف والأكثر حداثة. والحقيقة أن الحداثة لا تشتمل بأي حال من الأحوال على حلول للصراعات المستمرة في التفاقم في المنطقة. بل لقد اكتسبت هذه الصراعات ذاتها صفة "الحداثة"، الأمر الذي قد يجعلها أكثر خطورة من أي وقت مضى.

نستطيع أن نتعرف على جانب من جوانب هذه الحداثة حين ننظر إلى حرب لبنان التي شهدها العام 2006 بين إسرائيل وحزب الله، والتي أثبتت أن حرب الدبابات أصبحت عتيقة في مواجهة الصواريخ والكاتيوشا. وفي نفس الوقت حلت القوى غير المنتمية إلى دولة، مثل حزب الله وحماس والقاعدة، محل الجيوش التقليدية، كما حل المفجرون الانتحاريون المجهزون بقنابل الطرق والسيارات المفخخة أو الأحزمة الناسفة، محل مقاتلي حرب العصابات المسلحين بالكلاشينكوف.

ربما كان التغير الأكثر أهمية في هذا السياق متمثلاً في تحول مركز الثقل السياسي والعسكري في المنطقة. فبينما تشكل إسرائيل وفلسطين ولبنان البقاع الساخنة الأكثر أهمية في الشرق الأوسط القديم، أصبحت القوة الإقليمية والسياسية متمركزة الآن في الخليج الفارسي في أعقاب نشوب الحرب في العراق. ولم يعد الصراع المهيمن متجسداً في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، بل أصبح متمثلاً في التهديد بوقوع مواجهة بين إيران والمملكة العربية السعودية على السيادة الإقليمية الفرعية في المنطقة، وبين إيران والولايات المتحدة على الهيمنة الإقليمية. والآن أصبح من المستحيل تقريباً تنفيذ أي حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني دون مشاركة إيران وحلفائها المحليين ـ حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين.

وهذا يعني على نحو ما أن الحرب في العراق تشكل جسراً إستراتيجياً وعسكرياً بين الشرق الأوسط القديم والشرق الأوسط الجديد. ولقد أدى تدخل الولايات المتحدة إلى أربعة تغييرات بعيدة المدى في المنطقة:

• تحرير طموحات إيران في فرض هيمنتها على المنطقة ومساعدتها في احتلال مركز إستراتيجي ما كانت لتحلم باحتلاله أبداً بجهودها الخاصة.

• تمكين الأكثرية الشيعية في العراق، الأمر الذي أدى بدوره إلى تعزيز النفوذ الإيراني. بل لقد أدت الحرب في العراق إلى تحويل وجه الصراع الذي دام لقرون من الزمان بين الشيعة والسُـنّة من خلال تشريبه بأهمية جغرافية سياسية حديثة ومده إلى المنطقة بالكامل.

• فرض بروز إيران كلاعب أساسي في المنطقة تهديداً خطيراً بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وذلك لأن الشمال الشرقي الغني بالنفط في المملكة تسكنه أكثرية شيعية. وقيام حكومة شيعية في بغداد تهيمن عليها إيران، من شأنه أن يهدد السلامة الإقليمية للمملكة العربية السعودية في الأمد المتوسط - وهو السيناريو الذي لن يقبله السعوديون بأي حال من الأحوال.

• إذا ما تمكنت إيران من التحول إلى قوة نووية، فلسوف تتصاعد المخاوف السعودية إلى درجة خطيرة. وبصورة عامة، سوف تخسر القوة العسكرية التقليدية قيمتها في الشرق الأوسط إلى حد كبير، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى سباق تسلح نووي في المنطقة.

في ظل هذا الموقف الجديد ينبعث تهديد خطير يتمثل في تفكك النظام الذي أسسته القوى الاستعمارية الإنجليزية – الفرنسية في ترسيم حدود الدول في الشرق الأوسط. وبطبيعة الحال سوف يكون العراق المرشح الأول كضحية لهذا التهديد.

الآن أصبح السؤال الأشد إلحاحاً فيما يتصل بالشرق الأوسط الجديد يدور حول ما إذا كان العراق قادراً على الاحتفاظ بتكامله الجغرافي السياسي، رغم المواجهات الطائفية والدينية التي تضع الأكراد في مواجهة العرب، والسُـنّة في مواجهة الشيعة. إذ أن احتواء تفكك العراق لن يكون بالأمر الهين على الإطلاق؛ بل إن تفككه من شأنه أن يؤدي إلى تفكك المنطقة بالكامل، على غرار ما حدث في البلقان.

ثمة سؤال آخر على قدر عظيم من الأهمية: هل يتحرك الإسلام السياسي نحو الديمقراطية وقبول الحداثة أم يظل واقعاً في فخ التطرف واستحضار الماضي؟ إن الجبهة التي تشهد طليعة هذه المعركة في الوقت الحالي ليست في الشرق الأوسط، بل في تركيا؛ بيد أن النتائج لابد وأن تكون ذات مغزى أكثر عموماً.

إن نشوء الشرق الأوسط الجديد قد يشكل فرصة لتأسيس نظام إقليمي يعكس المصالح المشروعة لكل اللاعبين في المنطقة، وضمان إقامة حدود آمنة، والتخلي عن طموحات الهيمنة والسيادة لصالح الشفافية والتعاون. ولكن إذا لم يحدث ذلك، أو إذا لم تُستغل هذه الفرصة، فمن المحتم أن يكون الشرق الأوسط الجديد أشد خطورة من الشرق الأوسط القديم.

وزير خارجية ألمانيا ونائب لمستشارها أثناء الفترة من 1998 إلى 2005.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/معهد العلوم الإنسانية

التعليق