"فتنة" وايلدرز

تم نشره في الأربعاء 16 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

كامبردج، مساشوسيتس – أفضل ما يمكن أن يقال عن إنتاج غيرت وايلدرز "فتنة" هو أنه يستحق اسمه.

الفتنة هي بالضبط ما يبدو أن وايلدرز يريد إثارته والتحريض عليه في هذا المونتاج من الفوضى العارمة. إذا كان وايلدرز، حسب ادعائه، يريد حماية الحضارة الغربية من وحشية الإسلام، فإنه يحسن صنعاً إذا تفهم أولاً الدين الذي يقوم بانتقاده.

ليست الوصايا القرآنية الموضوعة إلى جانب صور من الوحشية خارج المضمون هي الإسلام، وهي لا تخاطب قضية تكامل الإسلام الشرعية. كذلك فإن رهاب وايلدرز الإسلامي لا يمثل بشكل كامل علاقات أوروبا مع الدول الإسلامية. ورغم أن الجهابذة يتناقشون حول ما إذا كان شريط "فتنة" ينتهك قوانين التعبير عن الكراهية، يتوجب على ذوي النوايا الحسنة أن يسألوا ما الذي يستطيعون فعله لتعزيز الحب في إنسانيتنا المشتركة.

تؤكد حتى مشاهدة سطحية سريعة للشريط أنه لا يشكّل تعبيراً فنياً. ليس شريط "فتنة" فنّاً. إنه عنف سينمائي يختفي خلف قناع التعليق السياسي. من خلال بدء الشريط واختتامه بالرسم الكاريكاتوري الخلافي للنبي محمد (ص) وهو يلبس عمامة يشتعل فيها فتيل قنبلة، يضم ويلدرز الإهانة إلى الجرح. فهو يحول حرياته وموضوعيته الغربية المفترضة إلى كاريكاتير من خلال استغلال المعاناة الحقيقية التي يتسبب بها التطرف.

تكشف عملية مشاهدة كامل فترة الشريط البالغة 15 دقيقة تشابهاً غريباً بين طرح وايلدرز الملتهب وطرح الواعظين الناري الذي يعرضه الشريط. فكل منهما يعكس عدم تسامح الآخر ولومه المبطّن. لا يترك أي منهما مجالاً للحوار أو الجدل. يفترض كل منهما قدسية رسالته ويتشارك في تكتيكات الإثارة والتحريض مع الآخر، فوايلدرز رجعي تماماً مثل هؤلاء الذين يدينهم.

قد يأمل عضو البرلمان الأشقر أن "إنذاره" سوف يؤدي بمواطنيه لأن يطردوا المسلمين. سوف يؤدي خدمة أفضل لناخبيه لو أنه يسعى إلى الحوار بدلاً من الرضى بالصراع.

وإذا وضعنا شريط وايلدرز اللامحترف جانباً، نرى أن كفاح أوروبا لاستيعاب المسلمين في التيار الاقتصادي والسياسي الرئيس ليس أمراً جديداً، فقد تواجد المسلمون في أوروبا منذ أجيال عديدة. ولكن ليس دينهم هو الذي يعزلهم ويغرّبهم عن التيار الرئيس. يتوجب على أوروبا أن تجد طريقة لتحويل أبناء العمالة الوافدة إلى مواطنين متساوين في الحقوق. يجب المساواة بين اعتمادها على العمالة الوافدة مع مبادئها الديمقراطية.

هذه قضايا حقيقية تستحق حواراً جاداً، فبينما يسعى المسلمون الأوروبيون إلى المساواة، تقوم الدولة بدفع الهوية الوطنية. يجري الإتيان بالممارسة الإسلامية إلى الساحة العامة، وتزداد التوترات من حيث حدود التعددية الثقافية الأوروبية. وكلما أكّد المسلمون حقوقهم في الجنسية تعرضت حدود الليبرالية الأوروبية للاختبار.

يحتاج الهولنديون والعالم إلى زعامة حقيقية، وليس إلى سياسة تعزز الخوف، وإلى المساعدة على وضع مخططات لعلاقات سلمية بين الإسلام والغرب. يجب عدم تحميل جميع المسلمين مسؤولية خطايا قلّة منهم، خاصة وأن الغالبية هي من المشاركين المسؤولين الذين يحترمون القانون في مجتمعاتهم.

رغم أنه يمكن تفهّم خوف وايلدرز من التغيير إلا أن سوء تصرفه مع المهاجرين لا يمكن فهمه.

في مقارنة متصلة لخلافية وايلدرز، يتعامل آخرون مع ديمغرافية أوروبا المتغيرة من منظور بنّاء أكثر. من الأمثلة على ذلك حركة فوكولير التي بدأتها كيارا لوبيك، وهي إيطالية كاثوليكية توفيت مؤخراً. بعكس وايلدرز، كانت ردة فعل لوبيك حيال عدم استقرار حقيقي جاء في أعقاب الحرب العالمية الثانية، محاولة تحسين مجتمعها من خلال إنسانية مشتركة، مؤكدة كيف يمكن لمفهوم "أحبّ جارك" أن ينجح في الحياة اليومية.

أثبت التعاون بين مجتمعات الفوكولير وأناس من أديان متنوعة، بقيادة لوبيك، أنه من الممكن بناء جسور التفاهم والاحترام والمحبة. تؤكد أية زيارة لمجتمع فوكولير خارج فلورنسا بإيطاليا أن الجميع، بمن فيهم المسلمون، لا يُقبل بهم فقط وإنما يُرحَّب بهم كذلك.

في نهاية المطاف يفقد وايلدرز فرصة تحليل التململ الاجتماعي المبطن الذي يحذّر منه. بدلاً من تناول الطُعم وإبداء ردة فعل، فإن أفضل دواء مضاد لتحريضات وايلدرز هي تعلم المزيد عن بعضنا بعضاً واعتناق حقيقة أنه لا يوجد نزاع متأصل بين الإسلام والغرب. لقد حان الوقت للبحث عن أساليب بنّاءة لأوروبا ومسلميها ليعيشوا جنباً إلى جنب كجيران صالحين.

محام وزميل بمركز زوكرمان بجامعة هارفرد.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »a comment (Dima Khleifat)

    الأربعاء 16 نيسان / أبريل 2008.
    Thank you Mr. Khan for this insightful article.. I do agree with you on what you professionally stated, and I would like to add that the Muslim World is also responsible for this deterioration in the image of Islam and the Muslim identity, when it allows young enthusiastic, but regretfully, ignorant Muslims who lack diplomacy and insight to take charge of spreading Islam by force! I think that most respectful Muslim leaders should take the initiative and issue fatwa(s) on how a Muslim should live in Europe and the Western countries (taking in their consideration all aspects of a Muslim’s life) and not leaving the Fatwa to be given by a local imam of the Masjed who we do not know his background, education, how religious he is……