إلى أين تأخذنا حركة فتح؟

تم نشره في الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

من فلسطين كل فلسطين، إلى حالة تشظي بين سجالات لا معنى لها. ومن الخروج من قلب الغياب، وتحقيق النصر بالدفاع عن القرار الوطني المستقل، إلى توديع علامات النصر المكتوب بالدم بحثاً عن غيابات ممكنة. هذا هو ملخص شديد الاختصار لرحلة الشعب الفلسطيني كما تتبدى في حال صدقت بعض أو كل التسريبات والإشاعات حول المؤتمر الوطني القادم لحركة فتح.

حقيقة أن فتح ليست هي التي صاغت خيار النضال الفلسطيني، ولكنها بلا منازع هي التي صاغت مسيرة هذا النضال عبر العقود الأربعة الماضية. فهي التي، وإن لم تنفرد بمنظمة التحرير، قادتها وشكلتها. وهي التي، وإن لم تخترع الوطنية الفلسطينية، قامت بإعطائها شكلها. وهي التي قادت الشعب الفلسطيني، برحلة مربكة على الذاكرة والوصف، ولكنها بالتأكيد أعادته إلى خارطة العالم السياسية بعد أن لم يكن معترفاً به.

فتح هي رحلة فريدة عبر التاريخ، من غياب أصم لشعب عظيم، إلى حضور طاغٍ. أوهام الحضور وزهوه طغت في معظم المراحل على مقتضياته وشكلياته. وتداخل مسرح الحياة بكل رثاثة الواقع، مع متطلبات مسرح الحضور المناكف، في خلق صورة مرتبكة. فيها كل عناصر الصورة، ولكنها تفتقر إلى صفاء الصور. صورة استسلمت لغوايات المسرح ولكنها لم تستطع إخفاء ندب النكبات والهزائم ويوميات اللجوء وبقايا الدم والدموع على الملامح المرهقة. والنتيجة كانت تحول الشعب الفلسطيني إلى حقيقة ليس عبر النصر، ولكن عبر الهزائم والدم والتهجير. حتى الهزائم الكبرى، كانت تتحول بين يديه إلى روافع تعزز حضوره، وترسمه هوية ذات حضور يتعالى كل يوم.

ورسم الشعب حقيقة وجوده بطريق مرسومة بذكريات الخسائر والهزائم، وإن أفضت إلى مسرح هزيل وصور هزيلة، ولكنها حقيقة. لم تكن أهمية المعارك بنتائجها، بل كانت أهميتها بأن هناك من يخوضها. فالعديد من المعارك كانت تخاض ليس بحثاً عن نتيجة ونصر، بل بحثاً عن معركة تثبت حقيقة وجود الشعب الفلسطيني. وهذا الذي يجعل مسيرة النضال الفلسطيني فريدة، وعصية على كل محاولات النقد الأبله الذي لم يدرك المزيج بين اللعب والزهو والمصلحة. بل ربما كانت مسيرة الشعب الفلسطيني منذ ظهور نذر كارثته عام 1919، وحتى اليوم، دليلا على حقيقة كبرى، وهي أن التاريخ مسارات وليس محطات لترسو فيها الرحلات المغامرة.

رحلة الشعب الفلسطيني دليل جديد على أن العظمة ليست في النصر، بل في القدرة على اجتياز الحواجز الفاصلة بين العدم والغياب، إلى ساحات الحضور. وكان جواز المرور للشعب الفلسطيني، صور الهزائم، وأخطاء وخطايا التكتيك، التي لم تستطع أن تلغي فاعلية الدم الذي تدفق ممزوجاً بصوت زغاريد وبكاء وقهقهات. ولكن تحقق الحضور بالمعركة، رغم الهزائم، ورغم الخسائر.

كل هذا ليس من أجل القول من جديد ان فتح حركة تحرر عظيمة، استحقت من شعبها ما احتاجته من دم وعرق ودموع. واستحق شعبها بكل جدارة، الاعتراف والتعاطف. بل من أجل التمييز بين الشعب والحركة. الشعب الفلسطيني اكبر من فتح. والشعب الفلسطيني الذي بنى فتح وخاض فيها رحلته من الغياب إلى الحضور الطاغي، يستحق أكثر بكثير مما تقوله فتح عن نفسها، وما تعمله بنفسها وبشعبها.

إذا صح ما يقال أن اللجنة المركزية لحركة فتح التي ستعقد قريباً، سوف تفصل من فتح كل من يرفض اتفاقية أوسلو، فإن فتح تتحول بذلك من طليعة شعب قادت مسيرته من الغياب إلى الحضور، إلى رأس حربة لمشروع صهيوني ما يزال يعاند ضرورات التاريخ ليتطور ويتغير. تحويل حركة فتح إلى وقف لاتفاقية أوسلو ليس فقط خيانة لتاريخ فتح. بل هو أيضاً، تآمر مع مجموعة إسرائيلية مجنونة، تريد من كل العالم أن يتغير إلا هي. هو ببساطة وقوف مأجور لمنع نسائم التاريخ من لمس أساطير اليمين الإسرائيلي.

ولا تكتفي الشائعات بالقول ان اللجنة المركزية القادمة لفتح ستفصل كل من لا يوافق على أوسلو، بل هي أيضاً ستحضر لمؤتمر وطني عام للحركة تحت شعار تعميق العلاقات الوحدوية مع الأردن.

إذا وافقت عمان على استضافة مثل هكذا مؤتمر، فإنها تسمح بذبح تاريخ الشعب الفلسطيني. فإذا كان هناك من يريد أن يشوه مسيرة التاريخ الفلسطيني، فليفعل ذلك بعيداً عن عمان. عمان شريكة بالدم والدموع برسم تاريخ الصورة. وعمان شريكة بإعادة إنتاج رواية الحضور، ولكنها لن تكون سكيناً يذبح هذا الحضور، ولا مقبرة لوأده.

لنتذكر أن عنوان الدفاع عن القرار الفلسطيني المستقل كان عمان. وعنوان وحدة التمثيل كان عمان، وعنوان وحدة الشرعية هو أيضاً عمان. ولن تكون عمان حاضنة لوهم فكرة تريد أن تعتذر عن التاريخ. عمان التي شاركت برسم التاريخ، شريكة في تفسيره وشريكة في عيش مستقبله، ولكنها ليست مقبرة للأحلام الكبيرة. هذه الأحلام التي يريدون الآن لعنها والتبرؤ منها هي التي جعلت من الهزائم والنكبات تاريخا مسيرا، والدليل الوحيد على حضور شعب رفض الغياب، وأصر على الحضور.

عمان يجب أن تكون حاضنة الحضور الفلسطيني، عمان يجب أن تكون مرآة الشرعية الفلسطينية المستقلة. عمان يجب أن تكون منصة انطلاق جديدة لرحلة تمضي نحو نصر ما يزال متدثراً بألوان الأحلام. ولكنها لن تكون ساحة لتلهي البعض بمحاولات شطب تاريخ لا يوجد فيه للآن إلا ذاكرة الشهداء وكل ما تستدعيه البطولة من أضداد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماذا بقي من فتح؟! (ابوعمار)

    الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008.
    سيكون من نافلة القول استذكارامجاد و منجزات فتح.
    لكن ماذا بقي من فتح؟
    احاول ان اجد تعريفا لفتح او جامعا ما لافرادها و شبه برنامج لفتح.
    فتح تمزقت بين ايدي عابثين و منتفعين و رجال اعمال.
    كما قال احدهم "نجحت اسرائيل في تحويل رجال فتح الى رجال اعمال"
    اما ما تبقى من قاعده -ليست صغيره- لفتح انما هي من متكسمين ببقايا تاريخ فتح. و خيالات امل في وضع افضل. و حتى هؤلاء يقتلهم اليأس و التشاؤم.
    اذا لم يتدارك اصلاء فتح حالة تنظيمهم فلن يبقى حولهم سوى بعض المنتفعين و تجار الاوطان
  • »فتح الخاسر الوحيد (abdullah al-jabiri)

    الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008.
    إذا قامت فتح بهذا الفصل لمن لا يعترف بأوسلو ، ففي الواقع لن يكون الشعب الفلسطيني هو الخاسر بل ستكون فتح وفتح وحدها الخاسر ، لأن حركة كهذه ينتمي إليها الفلسطينيون على اختلاف في فكرهم عندما تبدأ تضع شروط للانضمام لها أو فصل من فيها ستفقد شعبيتها ليس فقط ممن فصلوا ، بل أيضا ممن يعترفون بأوسلو . فما هو موقفها أمام شهداءها أمام سجناءها لدى إسرائيل ممن اعتقلوا بسبب انضممامهم لها . فليذهبوا إلى حيث ما يريدون وليخسروا قواعدهم الشعبية وليخونوا تاريخ الحركة النضالي ولكن بعيدا عن عمان .
  • »حقا كما قلت (احمد المحسيري)

    الثلاثاء 15 نيسان / أبريل 2008.
    اكرمك الله وسدد خطاك الاخ الكريم جمال الطاهات وحقا كما قلت عمان الكرامة عمان الشرف عمان الاباء عمان العزة اردن الفخر اردن الحشد اردن الرباط اردن الاسلام , الاردن ما كانت ولن تكون مكانا تباع وتشترى فيه القضية الفلسطينية ما كانت مكانا ليلجأ اليه بعض ممن ينسبون انفسهم الى المقاومة والنضال في فلسطينة , الاردن كانت وستبقى الحصن الحصين لفلسطين الانبياء فلسطين الاسلام فلسطين الطهارة والدين وسأل الله عزوجل ان يجعل الاردن بوابة نصر لفلسطين والحصن الحصين الذي ينافح عن ارض الدين .