الاعمال الفكرية للحسن بن طلال

تم نشره في السبت 12 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

غصت قاعة منتدى الفكر العربي مساء الاربعاء الفائت بجمع كبير من المعنيين بالشؤون الثقافية والفكرية, ومن الاساتذة والمؤرخين ورجال الاعلام واعضاء المنتدى, كما لم تشهده تلك القاعة من قبل, وذلك للمشاركة في حفل تدشين واشهار المجلد الاول من الاعمال الفكرية لسمو الامير الحسن بن طلال.

وقد تعاقب على المنبر اكثر من خطيب، فمن تنالوا سيرة الامير عبر ما يقارب الاربعة عقود وما تخللها من اعمال كبيرة وانجازات فكرية عظيمة. لا يشكل هذا المجلد الاول, الذي يضم سبعة كتب فقط لسمو الامير سوى البعض من الحصيلة الكاملة, والتي ستصدر تباعا في مجلدات عديدة اخرى.

قيل ان الامير احب في هذه الدنيا اشياء قليلة, وابعده الزهد عن مغريات كثيرة شغلت غيره من القادة والحكام والمشاهير في مجالات مختلفة. قيل ان الامير احب الكتاب وشغف بالقراءة المتصلة المتواصلة وبالاطلاع على كل ما من شأنه ان يعزز مسيرة التقدم لبلده الاردن الذي نذر نفسه لخدمته بجانب المغفور له الباني العظيم الحسين بن طلال طيب الله ثراه. ولم يتوقف حب الامير لبلده كما لا يتوقف عطاؤه ومواصلته للجهد والعمل الدؤوب الصامت والبحث الدقيق عن اي موقع ينفذ منه الخلل لكرامة الانسان وامن الانسان وحقوق الانسان, وهنا فقط لم تتوقف حدود العطاء بالانسان الاردني او الانسان العربي, بل كان هدف الامير الانسان اينما كان, والانسانية اينما غبنت والالسنة اينما استحقت.

وبعد الكتاب وبعد القراءة احب الامير اسرته وركن اليها ابا وجدا وزوجا ورب اسرة نعمت على مدعى السنين برعايته واثمرت الرعاية الصالحة والتربية الفاضلة والقدوة العظيمة النادرة اسرة مثالية حمل كل عضو منها جانبا من مسؤولية مواصلة الجهد المثمر والعمل المعطاء, في شتى مجالات الخير والعلم والفكر والخدمة الانسانية النبيلة.

وقيل في الامير انه زهد في المال وفي المتاع وانه قضى سنيّ عمره باحثا عن الفكر والعلم والمعرفة ومسخرا كل ذلك للنفع العام حيثما امكن وحيثما استحق.

لابد من التعريف بالعناوين التي شملها هذا المجلد الاول والتي اشرت الى انها عبارة عن سبعة كتب اولها "القدس- دراسة تاريخية" وذلك كتاب ووثيقة تاريخية رصينة ودراسة قانونية هامة عن القدس ووضعها تحت الاحتلال. ومع ان الطبعة الاولى من هذا الكتاب صدرت عام 1979 الا انها مرجع هام لكل باحث.

اما الكتاب الثاني والذي صدر لسمو الامير باللغة الانجليزية "في طبعته الاولى" عام 1981 فهو بعنوان "حق الفلسطينيين في تقرير المصير- دراسة للضفة الغربية وقطاع غزة". ويتناول هذا الكتاب اضافة للخلفية التاريخية وفترة الانتداب على فلسطين وظهور اسرائيل, ويتناول نشوء المملكة الاردنية الهاشمية والاتحاد الدستوري بين الاردن والضفة الغربية ولضمنها القدس, والممارسات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة.

ثم يتناول الكتاب القضايا القانونية الخلافية وتقييما للمطالب القانونية وتصورا للسلام والامن "القانوني" وحقوق الانسان وتقرير المصير. وقد كان هذا الكتاب هو الاول من نوعه الذي عالج الموضوع بصورة شمولية موثقة تناولت كل ابعاده وجوانبه, كما تناول مسألة اللاجئين, تلك المسألة التي لم ينقطع حديث الامير عنها معبرا بألم عن استمرار معاناتهم وتقلص المسؤوليات العربية والدولية في كل ما من شأنه ان يوفر لهم الكرامة الانسانية الى حين توفير حقوقهم السياسية.

اما الكتاب الثالث فقد جاء بعنوان: "السعي نحو السلام- سياسة الوسطية في الشرق العربي". ويستعرض الكتاب تاريخ العرب منذ ما قبل التاريخ الى مجيء الاسلام الى القومية الجديدة والتأثير الاوروبي الى الثورة العربية واثارها الى اثر الصهيونية وثم العملية السياسية العربية, ويستمر التسلسل حتى الزمن الراهن.

وفي موضوع "السعي نحو السلام" يتضمن الكتاب ملحقين احدهما عن الاردن ونهج السلام الاميركي في الشرق الاوسط, والثاني يتضمن الخرائط ذات العلاقة.

الكتاب الرابع هو: "المسيحية في العالم العربي" الذي يعرّف المسيحية واصول قانون الايمان النيفاوى وتنظيم الكنيسة والفرق الذي احدثه الاسلام والمسيحيون في العالم العربي المعاصر. وقد حظي هذا الكتاب عند نشره برواج واسع واهتمام كبير ولا يزال.

اما الكتب الثلاث الاخرى ضمن المجلد فهي "الاستمرارية والابداع والتغيير". وهذا الكتاب يتضمن مجموعة من المقالات المختارة التي نشرها الامير ومن ابرزها الاسلام والمجتمع المدني, التقليد والحداثة في الاسلام, معالجة مسألة الاصولية "المجتمع المثالي, الدين كمذهب سياسي, المجاعة الروحية" وغيرها, "والمسألة العراقية" هي عنوان الكتاب السادس الذي صدر في ذكرى رحيل فيصل الاول, و"سين وجيم" هو الكتاب السابع والاخير ضمن المجلد الاول.

لا يمكن ان يفي هذا الوصف المقتضب الموجز هذا العمل الفكري الثقافي التاريخي القانوني السياسي الوثائقي العلمي الكبير حقه بأي مقدار. اظن ان هذ المجلد بشموليته وعمقه وغزارته لا يمثل الا القدر المتواضع مما جاء به الامير على مدى العقود والذي قد لا يتسع له اي عدد من المجلدات.

لا شك ان هذا المرجع سيشكل اضافة للمكتبة العربية وللجامعة والمدرسة ولأي منبر ثقافي وبيت. وحبذا لو توفرت الامكانات لترجمة هذا العطاء الفكري الغزير للغات اخرى.

التعليق