صعود الحركات الاجتماعية

تم نشره في السبت 12 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

في الوقت الذي أخذ فيه عدد من الأحزاب السياسية الأردنية، يحل نفسه لاقتراب موعد التطبيق الكامل لقانون الأحزاب الجديد، في منتصف نيسان الحالي، والذي يقضي بزيادة عدد أعضاء كل حزب إلى 500 عضو، فإن الحركات الاجتماعية الجديدة في مصر، ضربت مثالاً مهماً على كيفية التعبير عن المطالب الشعبية، وطرحها كبرنامج عمل احتجاجي يلفت الانتباه، في تجاوز "تاريخي" لأطر التمثيل التقليدية في العالم العربي، وعلى رأسها الأحزاب السياسية، وذلك حين دعت مجموعة من هذه الحركات، من أهمها حركة "كفاية"، للإضراب الذي شهدته مصر في الأسبوع الماضي، مدعومة من عدد من المنظمات المدنية والحقوقية.

ليس المقصود بالمقارنة، المطالبة بتقليد المصريين، فهذا أمر مرهون بالحاجات الشعبية أولاً وأخيراً. المقصود، هو تعلّم "الدرس المصري" الجديد، ومفاده أن الأحزاب لا أسف عليها، ولا فرق بين وجودها وعدمه!. ومن المعلوم أن ثمة "نظرية" تقول إنه يمكن التنبؤ بما سيحدث في المشرق العربي، في كل مرحلة، من خلال متابعة ما يجري في مصر: فالذي يجري فيها، لابد أن ينسحب يوماً على جوارها العربي. وليست التغيرات الاجتماعية الاقتصادية التي شهدتها مصر في السبعينيات والثمانينيات، ثم شهدتها بلادنا في العقد الأخير، عنّا ببعيدة.

إذا كان ذاك هو الدرس المصري الجديد، فهو بالتأكيد الدرس العالمي أيضاً، فقد حلّت الحركات الاجتماعية محل الأحزاب السياسية في بلدان العالم المتقدم، ميدانياً، منذ زمن، رغم بقاء الأحزاب على حالها القديم بالنسبة للسلطة والحكم. هذا ليس كلاماً جديداً، لكن الجديد هو أن هذه التغيرات المهمة وصلت أبوابنا أيضاً، وعلينا الاستعداد للتعامل معها خلال السنوات القليلة القادمة، وعلينا - على المستوى المحلي- أن نقرأ ما يجري في مصر اليوم جيداً، وأن ندرسه، بالمعنى العلمي للكلمة، بحيث تكون العبر المستفادة منه جاهزة بين أيدينا حال انطلاق الحركات الاجتماعية الجديدة عندنا في غضون سنوات، لا أن ننتظر حتى نتعلم الدروس بأنفسنا، و"من كيسنا" كما يُقال، فالعاقل من اتعظ بغيره.

بالمناسبة، فليس مهماً أن التجربة المصرية الأخيرة، أي الإضراب، لم تنجح على مستوى واسع. المهم هو ما أثبتته من أن الحركات الاجتماعية الجديدة يمكن أن تترك أثراً أكبر وأوسع وأهم من الأحزاب السياسية، فإذا كانت حركة كفاية وشركاؤها قد نفذوا عملاً غير ناجح، فإن الأحزاب السياسية لم تنفذ أي عمل من الأصل!

لهذا كله، فإن التباكي على الأحزاب السياسية الأردنية التي ستختفي حال انتهاء مهلة "تصويب أوضاعها" في خلال أيام، ليس في محله أبداً، فهي في الحقيقة أحزاب لا أسف عليها، لأن وجودها وعدم وجودها واحد، ولم يكن لها، وليس من المتوقع أن يكون لها، أي دور في لفت الانتباه للمطالب الشعبية، إذا استثنينا البيانات النارية التي تصدر من مكاتب مكيّفة!

وسط التباكي على تغييب الأحزاب بشروط قانونها الجديد، يُسرّ المرء بأحزاب آثرت ألا تدخل مسرحية زيادة عدد أعضائها المؤسسين، مترفعة عن الزج بأسماء أقرباء وأصدقاء ومعارف ليس بينهم وبين الحزبية والسياسية صلة، لتلبية تلك الشروط، وأن تلجأ – تعويضاً عن الشكل الحزبي- إلى تشكيل أطر ثقافية وفكرية بديلة. فهذه الأطر الجديدة هي التي ستثمر حركات اجتماعية مؤثرة مستقبلاً، إذا ما أحسنت إدارتها. من أمثلة ذلك، ما فهمته من المهندس موسى المعايطة، أمين عام حزب اليسار الديمقراطي، فالمجموعة القائمة على قيادة الحزب، الذي هو في كل الأحوال حزب صغير بالمقياس العددي، ستلجأ إلى تأسيس منتدى فكري بديل عن الحزب، يختص بالاشتراكية الديمقراطية، فيما ستترك قانون الأحزاب الجديد يلتهم الهيكلية الحزبية، بعد أن لم تعد لها حاجة.

مثل هذا التفكير يمكن أن ينتهي إلى إيجاد حركة اجتماعية مطلبية نشيطة وطموحة، تخرجنا من حالة الموات السياسي والشعبي الذي نعيشه، ما يعني أنه نمطٌ يمكن التفكير فيه من كل التيارات الفكرية الأخرى، وبخاصة تلك التي ستُحل أحزابها بعد أيام، فلعلها تحوّل حلّ أحزابها، من ضرر لها، إلى فائدة لها ولوطنها.

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحولات مطلوبة (عمرشاهين)

    السبت 12 نيسان / أبريل 2008.
    الزميل العزيز سامر خير يطرح مقالك فكرة مميزة عن فشل الأحزاب السياسية ليست الأردنية وحسب بل العربية والت ترميها على غيرها ، فمن اغرب ما نسمع من حجج الأحزاب أنها تطالب الحكومات التي تعارضها أن تتبناها وتدعمها ماديا حتى تنجح .
    يشير مقالك إلى مبنى مهم لنجاح الأحزاب وهي العمل الاجتماعي فقد أنهكت آذان المواطن من الأدبيات السياسية التي كانت تبعد عقلية الحزبي عن حاجة المواطن، حتى عند قراءات خطابات ومنشورات الأحزاب اليسارية والدينية فقد كنت أجدها تنظيرية، فخطوة مثل جمعية العفاف لتزويج الشباب كانت أهم بكثير من كل الأفكار الحزبية لأنها تتدخل فورا في أصلاح حال المواطن وكذلك نجد أن جمعية المركز الإسلامي حقق فعلا وعملا ،بينما ظلت أدبيات الأخوان ضمن الكتب والمنابر.
    إذا تحولت الأحزاب إلى العمل الاجتماعي على حساب السياسي دون إلغاء الأخير طبعا أو موازنة بينهما فأنها ستجد انتسابات بالآلاف وليس وضع مؤسف وهزلي كما سنشهد خلال هذه الأيام عندما يعجز حزب لديه عقدين من الزمن ولا يستطيع توفير 500 عضو في خمس محافظات ،فيا ترى لو كانت هذه الاحزاب تخرج عن نطاق المحاضرات والاجتماعات واشتغلت بالحراك والهم الاجتماعي فستجد أضعاف العدد المطلوب ،ولكن المواطن بعد خمسين عاما على النكسات والهزائم لم يعد مهتما بشيء اسمه خطاب حزبي ،خطاب ثوري ، فكر تحرير ،فكر نهضوي لا ينهض سوى بصاحبه إلى وظيفة ما.