بين الحرية الإعلامية والمسؤولية الأخلاقية

تم نشره في الثلاثاء 8 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

كوبنهاغن، انتظرنا الأسبوع الماضي في أوروبا بأنفاس محبوسة ردود فعل الجمهور لعرض فيلم يهاجم القرآن الكريم أنتجه السياسي اليميني غيرت وايلدرز. ويأتي هذا على رأس مشاكل تتفاعل حول إعادة نشر عدد من الصحف الدنمركية للصور الكاريكاتورية سيئة السمعة للنبي محمد (ص). عبر سنتين منذ نشرها للمرة الأولى، يبدو أننا عدنا إلى حيث بدأنا، حيث تستعر الاحتجاجات وأحياناً إلى مستوى العنف في أجزاء مختلفة من العالم الإسلامي.

يبدو أن هناك عدم قدرة أساسية لدى الذين يتبوأون مراكز متنوعة على فهم كيف يشعر الطرف الآخر ويفكر. لدينا هنا حوار طرشان، رغم أنه من دواعي السخرية أن الطرفين يشتركان بنفس الحافز: الخوف.

لقد أصبحت الثقافة الأوروبية والطرح العام علمانيين في الأجيال الماضية لدرجة أنه لا يوجد سوى فهم محدود لأناس يتخذ دينهم موقعاً مركزياً في حياتهم وهويتهم. لقد جرى إنشاء الدول الأممية الأوروبية عبر قرون من النضال والنزاع، أوشكت فيها الخلافات الدينية والكبت الديني على الإنفجار أحياناً. يخاف الناس اليوم من أنهم في خطر من فقدان ما اكتسبوه نتيجة لكمّ هائل من المعاناة، حريتهم وشعورهم الجماعي بالهوية.

تكمن خلف هذه المخاوف تغيّرات سريعة من العولمة وسلطات متنامية للاتحاد الأوروبي وشكوك الجغرافيا السياسية والتغيرات المناخية. ولكن المخاوف في أوروبا تركز على المهاجرين والأقليات العرقية، والتي تعني في العديد من الأماكن، المسلمين.

وتفسر مطالب المسلمين بأخذهم على محمل الجد كتهديد للحقوق التي تم الحصول عليها بصعوبة، كحرية التعبير. هذه المشاعر لا تتهدد بالخوف الأقليات الصغيرة من المسلمين في أوروبا، وهم يشكلون أقل من 3% من السكان في معظم الدول، وإنما مئات الملايين من المسلمين ما وراء حدودهم في العالم الإسلامي الأوسع، حيث يوجد ما يسمى بالعدو الجديد.

كما أن أجزاءً عديدة من العالم الإسلامي تخاف كذلك من أمور غير واضحة، مثل العولمة وعدم الاستقرار الدولي، وأقرب إلى الوطن، البطالة والحكومات العشوائية، إضافة إلى العنف العشوائي. ولكن هناك، يتركز العنف على ورشة القوى الامبريالية القديمة، الغرب، الذي يُنظر إليه مرة أخرى على أنه راغب في السيطرة، وبالتالي تقويض أركان الإسلام. رداً على ذلك يصبح احترام الدين ورموزه نقطة مركزية يتم التركيز عليها.

يتكلم أحد الجانبين لغة الحريات والحقوق، بينما يتكلم الجانب الآخر لغة احترام ما هو مقدس.

في نهاية الشهر الماضي ورداً على إعادة نشر الصور الكاريكاتورية، والفيلم الهولندي الموعود، أصدر سفراء دول منظمة المؤتمر الإسلامي إلى الأمم المتحدة بياناً ضد الإرهاب الإسلامي، أكدوا فيه دعمهم لحرية التعبير، التي يوازنها احترام المشاعر الدينية. السؤال الذي ترك بلا جواب هو كيف يمكن تحقيق هذا التوازن.

ردت الحكومة الدنمركية بدورها على الخلاف الأولي باستثمارات كبيرة في الحوار الثقافي والسياسي، إضافة إلى توسعة جهودها في دعم التنمية وخاصة في أوساط الفلسطينيين في الأردن والمناطق المحتلة. وتقول التقارير إن الحكومة الدنمركية تفكر بمنع عرض الفيلم، الأمر الذي أدى بالمنتج لأن يقول إنه سيقوم ببثه على شبكة الإنترنت. وفي الباكستان جرى إغلاق موقع اليو تيوب في أواخر شهر شباط/فبراير، لعرضه مقطوعات من الفيلم، على ما يبدو، ولكن أعيد فتحه خلال ساعات قليلة.

وقد أكدت منظمة المؤتمر الإسلامي على الحاجة للحوار والتثقيف في مؤتمر القمة الذي عقدته في كانون الأول/ديسمبر 2005. ولكن في ضوء الأحداث المتكررة، قامت المنظمة الآن بزيادة تصلب خطها، وهي تطالب بتشريعات، رغم أنها ذات حد أدنى، على شكل إضافات أو تعديلات في قوانين حقوق الإنسان العالمية.

ليس هناك من سبيل لأن تقبل الحكومات الأوروبية أية صياغة تقطع الخط على الالتزامات القانونية، فهذه لن تعرض للخطر تلك الحريات الثمينة فحسب وإنما ستشبه إلى حد بعيد قوانين مثل البند 3.1 سيئ الذكر في تركيا، الذي يضفي صفة الإجرام على "تشويه سمعة كون الإنسان تركياً، والجمهورية والبرلمان والمحاكم والجيش أو قوات الأمن"، أو قوانين باكستان ضد إهانة النبي محمد (ص). وقد استخدمت هذه القوانين في الدولتين بشكل واسع وشرير لإرهاب الغرماء والسعي للانتقام الشخصي.

ولكن الحكومات الأوروبية تستطيع بالتأكيد أن تفعل المزيد لتشجيع الحوار والتعليم، الأمر الذي سيجعل إصدار الإهانات غير المبرر ضد معتقدات الناس الجوهرية تصرفاً عاماً غير مقبول. وتستطيع حكومات الدول الإسلامية أن تفعل المزيد لتظهر أن الاحترام الذي تعبر عنه لحرية التعبير هو أكثر من لغو فارغ. حتى ذلك الحين سوف يستمر حوار الطرشان.

يورغن نيلسن أستاذ في الدراسات الإسلامية بجامعة كوبنهاغن في الدنمرك.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق