أين مصدر الخطر الحقيقي؟

تم نشره في السبت 5 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

 نوقشت على مدى يومين نهاية الاسبوع الفائت قضايا التسلح والأمن في الشرق الاوسط بمناسبة صدور الكتاب السنوي لمؤسسة "سبري" معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام, بعنوان:"التسليح ونزع التسلح والأمن الدولي".

 جرت المناقشة خلال ندوة نظمها منتدى الفكر العربي بالتعاون مع المؤسسة السويدية في الاسكندرية وشارك في الندوة - التي افتتحها مؤسس المنتدى وراعيه صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال- عدد من الخبراء من مصر والاردن والعراق والسويد ولبنان وغيرهم.

من أهم الموضوعات التي تناولها المشاركون التهديدات المباشرة وغير المباشرة لأمن وسلام المنطقة. وبطبيعة الحال برز الصراع العربي- الاسرائيلي كأحد اهم مصادر الخطر القائم, وبرزت امكانية شن حرب على ايران من قبل اسرائيل او الولايات المتحدة, او بالتنسيق فيما بينهما, كنذير شر يهدد بتدمير كل ما تبقى قائما حتى الان بعد كل هذه الحروب والازمات التي شهدتها المنطقة عبر عقود.

شأن كل حلقات النقاش, لم تخرج هذه بأية نتائج حاسمة لاستجابة ذلك طبعا, فلم يكن من بين المشاركين من ادعى علم الغيب. وتنفرد قراءة الاحداث- في الشرق الاوسط بالذات -بأنها تفسح المجال لكل الاحتمالات ولأي الاحتمالات. وبصدد السؤالين الكبيرين اللذين اختتمت اعمال الندوة بالبحث عن اجابة لهما: وهما هل يتحقق السلام في الشرق الاوسط نهاية هذا العام, كما تمخض عن مؤتمر انابوليس خريف العام الماضي؟ هذا كان احدهما, اما الثاني فكان حول احتمال وقوع الحرب ضد ايران.

ولانه كان لي حظ المشاركة فإنني أدوّن الملاحظات التالية عن اهم ما أعتقد ان الندوة ساهمت في بلورته.

الملاحظة الاولى؛ هي انه ظهر خلال المناقشات تضخيم من بعض المشاركين للخطر الايراني لدرجة

ترجيح الخطر المحتمل الايراني طبعا, على الخطر القائم اي الاسرائيلي. ولم يكن ذلك مركزا فقط على برنامج ايران النووي واحتمال اصرار ايران من وراء ذلك على امتلاك قنابل نووية, بل تخطى ذلك للتحذير من مخططات ايرانية لبسط الهيمنة من خلال الدفع بأيديولوجية إسلامية عن طريق حزب الله في لبنان وحماس في غزة والمليشيات والتنظيمات الشيعية في العراق. وعند المقارنة مع الخطر الصهيوني الفعلي يصر هؤلاء على ان الخطر الايراني على الخليج, بسلاح نووي او من دونه, لا يقل خطرا.

ويتجاهل هذا الطرح أن أي تغلغل للنفوذ الايراني في اي من المواقع، التي ذكرت، جاء كنتيجة مباشرة للعدوان الاسرائيلي الصهيوني القائم في المنطقة، والمستفحل باستمرار منذ بدايات القرن الماضي. ويتجاهل هذا الطرح ان استباحة العراق بأكمله للغزو العقائدي وللنهب والسلب والانتهاك لم يكن الا نتيجة لما خلفته حرب لم يكن لها اي هدف، كما تأكد الآن، سوى التدمير. ويتجاهل هذا الطرح، ايضا، ان التنظيمات التي مدت يدها لايران، او تناولت ما مد لها من يد ايران، مثل حزب الله ومثل حماس، ولنقل ايضا مثل سورية، لم تكن لتفعل ذلك لولا انها محاصرة ومسدودة عليها كل طرق العون الاخرى، فوق كونها معتدى عليها وعلى حقوقها من قبل خصم قوي هو اسرائيل، ومدعوم بقوة اكبر هي الولايات المتحدة.

ولم نسمع خلال النقاش ما يوفر القدر الأدنى من القناعة لتفسير مشروعية فتح كل ابواب الدعم العسكري والمالي والسياسي لاسرائيل، وهي الدولة المعتدية والمحتلة والمغتصبة والمنتهكة لكل قواعد القانون الدولي، ويعتبر ذلك امرا طبيعيا عاديا. بينما يحظر على سورية ان تحظى بأي دعم وأرضها محتلة منذ عام1967 في انتهاك صريح للقانون الدولي وللمنطق والعرف والخلق.

ويحظر على حماس المحاصرة مع مليون ونصف مليون انسان منكوب ومظلوم، برا وبحرا وجوا في غزة، ان تمد يدها لايران او لغير ايران لتغذية شريان الرمق الاخير. ويحظر كذلك على حزب الله ان يملك من السلاح ما يمكنه ان يدافع به عن نفسه وبلده خاصة بعد ان تعرض لحرب صيف2006 التي حظيت بكل الدعم والتأييد وتوفرت لها كل الامكانات والفرص لتدمير حزب الله بالذات، ومايزال ذلك التنظيم مستهدفا في اية لحظة، كما أن الحرب ضده محتملة في اية لحظة لرد الاعتبار لفشل الحرب الاخيرة وارتدادها بكل ثقلها وخطرها وآثارها البعيدة على مرتكبيها ومن أيّد وساعد ومدّ بالسلاح والمال.

وخان أبسط المنطق المروّجين لتضخيم الخطر الايراني عندما جاء دور الحديث عن احتمال امتلاك ايران للسلاح النووي، وعند مقارنة ذلك بما تمتلكه اسرائيل من ترسانة نووية كانت التقديرات منذ سنوات تتحدث عن مائتي قنبلة نووية جاهزة للاستخدام. فماذا كان رأيهم عندما واجهوا السؤال:أين يجب ان يكون التركيز على الخطر القائم والسلاح المصنوع الجاهز او على الخطر المحتمل والسلاح المتحمل؟ كان الجواب انه اذا كان السلاح الاسرائيلي موجودا، فيجب ان لا يتفاقم الامر بتسليح بلد شرق أوسطي آخر.

وكانت اجوبة اخرى قالت إن حرباً نووية بين اسرائيل وايران ستعرّض البلاد الواقعة بين المتحاربين للخطر. والحقيقة ان لا هذا الجواب ولا الذي قبله يوفر أي مقدار من الواقعية. فهل يُعقل ان الخطر على أمن وسلام المنطقة هو الأقل بتفرد اسرائيل بامتلاك السلاح النووي, بينما علمنا من تجارب الماضي بأن الردع يكون بالتوازن مع ان الوضع الامثل طبعاً هو الامل الأكبر بخلوّ المنطقة من أي سلاح كهذا!

لذا فإن من ابسط قواعد الحكمة والمنطق ان يتركز الجهد كل الجهد على نزع السلاح القائم ومنع اي تسلح نووي اضافي, منطقة خالية تماماً من اسلحة الدمار الشامل. اما منطق محاباة الأمر الواقع من قبيل العجز عن مواجهته فما ذلك الا ترسيخ لواقع المعايير المزدوجة التي ما زالت تحمي كل مصادر الخطر. وبعد كل ذلك فإن كانت ايران تشكل اي خطر, فيجدر ترتيب الاولويات على الأقل, ليظل الخطر القائم اولى بالمواجهة من الخطر المحتمل.

الملاحظة الثانية؛ تتعلق بالسلام المرتقب. ولم يكن بين المتحاورين اي خلاف على ان ابواب سلام انابوليس موصدة بإحكام ليس فقط لما تبقى من هذا العام، بل ولأعوام كثيرة تالية. فلا بارقة امل واحدة امام تعنّت اسرائيل ومواصلة استيطانها للأرض, وعجز الولايات المتحدة عن فرض التزاماتها ووعودها، وعجز العرب عن تغيير واقع فقدان القدرة والارادة. لا بارقة امل واحدة في ان اي تغيير للوضع القائم سيحدث في المدى المنظور. ولكن نغمة غريبة أطلت برأسها من جديد، وهي ليست جديدة كون "مثقفين" عرب وأجانب أخذوا يرددونها منذ فترة، وهي ان العالم بدأ يعتريه الملل من قضية فلسطين حتى لو كانت مصدر الخطر على أمن وسلام العالم.

هذه النغمة الخبيثة تسعى لاستبدال الحل، المكلف على اسرائيل، بالحفظ والتجاهل، وبالتالي الترويج لفكرة الملل Fatigue حتى تصبح اكثر جاذبية.

فكرة "الفاتيغ" مبنية اصلا على فرضية خاطئة. فلا احد يملك أو يستطيع ان يتجاهل او ان يتعب من معضلة تاريخية انتشرت أخطارها على مدى السنين والعقود الى هذا المدى الدولي، والذي يحدث هو العكس، اي عكس الملل، بمعنى ان اهتماماً اكبر أخذت تحظى به هذه القضية بعد ان تكشّف للعالم بالفعل أن اغفال حلها لصالح تمكين المعتدي من مواصلة عدوانه هو عين الخطر، وان الظلم هو اساس الخلل الكبير الذي بدأ يهدد البعيد مثل القريب.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »clear and present danger (Yousef)

    السبت 5 نيسان / أبريل 2008.
    Isn't it funny how some in the West suffer from FATIGUE when it comes to having to answer to their war crimes but when it comes to defending their interests they are never FATIGUEd . The attitudes of Arab neoliberals contribute to western complacency when it comes to war crimes and injustices committed against Arabs. Arab neoliberals, who are handpicked by western conservatives, have consistently undermined the Arab point of view and have promoted a narrative of extremists-vs-moderates to the point the West now really believes when Arabs are killed in Palestine, Lebanon, Iraq, Somal that these Arabs are radicals who deserve to be killed. So there is no longer legitimate Arab resistance or victims of NATO and US and Israeli violence. Just One War on Islamic Terror and all the tens of thousands of Arabs murdered are regrettable collateral damage. Arab neoliberals form a clear and present danger to the survival of the Arab civilization.