الأعيان والنواب: جوار بلا حوار

تم نشره في السبت 5 نيسان / أبريل 2008. 02:00 صباحاً

استقلالية جناحي مجلس الأمة(مجلس الاعيان ومجلس النواب) يجب ان لا تكون عائقا امام الحوار والتشاور وتبادل الرأي بشكل دائم ومؤسسي بين المجلسين, فهما معا يشكلان السلطة التشريعية, اهم اركان الدولة الاردنية.

واقع الحال يشير الى أن العلاقة بين المجلسين، رسمية جدا تسير وفق الاصول الدستورية، لكن يعوزها الحوار والتشاور. حتى العلاقة بين أعضاء المجلسين, تكاد تكون معدومة ناهيك عن التفاعل والحوار والتواصل.

وبسبب هذه العلاقة الرسمية وغياب الحوار بين المجلسين, فقد اعاد مجلس الاعيان الى مجلس النواب, عشرة قوانين من اصل اربعين قانونا أُحيلت إليهم من مجلس النواب خلال الدورة البرلمانية الاولى التي انتهت يوم الثلاثاء الماضي، اي ما يعادل ربع القوانين التي تعامل معها المجلسان.

لم تكن اسباب رفض الاعيان لتعديلات النواب كلها فنية او بسبب عيب تشريعي، بل كانت هناك أسباب جوهرية، يتعلق بعضها بجوهر التشريع وغايته. كما هو الحال في مشاريع قوانين: الحماية من العنف الاسري، الطاقة النووية، وديوان المظالم، الجمارك، ادارة املاك الدولة وغيرها.

وقد قبل مجلس النواب الغالبية العظمى من تعديلات الاعيان، وفي الحالات القليلة التي اصر فيها مجلس النواب على موقفه من القضايا الخلافية، كان مجلس الاعيان، يقايض فيها تيسيرا ويمررها مقابل ان يمرر مجلس النواب في المقابل قضايا خلافية اخرى... والمقايضة هنا لم تكن تشمل امورا جوهرية، وحتى لا نظلم المجلسين، ففي هذه الحالة، فقط، تجري اتصالات ومشاورات بين المجلسين.. والمقايضة هنا فعل برلماني مشروع.

غياب الحوار والتنسيق المسبق بين المجلسين, قبل ان يقول أي منهما رأيه في مشاريع القوانين المعروضة عليهما, يؤخر مسار التشريعات والانجاز, والاهم انه يفوّت الفرصة لإغناء التشريعات وتفادي الهفوات والزلات التشريعية.

يبدو لي أن غياب القوى السياسية المنظمة وغياب المعارضة الفاعلة عن كلا المجلسين، وتوفر الانسجام السياسي العام بينهما من جهة وبين المجلسين والحكومة من جهة اخرى لم يخلق حالة ضاغطة تجعل هذه الاطراف تستشعر الحاجة الى التنسيق والحوار المسبق. فلم تشهد العلاقة بين المجلسين خلافات توجب عقد جلسة مشتركة بين المجلسين لحسم خلاف تشريعي بينهما، استنادا لمنطوق المادة(92) من الدستور. وبالمناسبة لم تعقد منذ عام1989 سوى جلسة مشتركة واحدة بين المجلسين في عهد المجلس النيابي الحادي عشر(89) وكان حينها دولة احمد اللوزي- اطال الله في عمره- رئيسا لمجلس الاعيان.

من الواضح ان كلا المجلسين يحرصان على حل الخلافات التشريعية التي تنشأ, بعيدا عن الاضواء وان اقتضى الامر, تدخل مرجعيات عليا.

واقع التماهي والانسجام السياسي العام بين السلطة التشريعية بجناحيها والسلطة التنفيذية, يفسر غياب اي دور يذكر لوزير الشؤون البرلمانية الحالي او الوزراء الذين سبقوه في ادارة العلاقة بين الحكومات ومجلسي الاعيان والنواب، وهذا ما يفسر ايضا عدم تدقيق الحكومات المتعاقبة كثيرا في شخصية وزير الشؤون البرلمانية، والتعامل مع مهمته بشكلية تصل حد الالغاء والتهميش، مع ان حقيبة الشؤون البرلمانية، تعتبر من اهم الحقائب السياسية ويفترض ان يتولاها، وزراء أكفياء يمتلكون خبرة سياسية وبرلمانية واسعة, لأنهم مكلفون بملف العلاقة مع السلطة التشريعية بكل شجونها وتعقيداتها وهي مهمة ثقيلة لأنها تتطلب التعامل مع فعاليات نيابية وقيادات سياسية واجتماعية من الموالاة ومن المعارضة وتقع على عاتق وزير الشؤون البرلمانية مهمة تسويق السياسات الحكومية والتشريعية والدفاع عنها ليس فقط بين الاعيان والنواب, بل ايضا مع المجتمع والقوى المعنية بالتشريعات المنظورة.

ليست حالة التماهي والانسجام في التوجهات السياسية والعامة بين الحكومة وجناحي مجلس الامة، فقط ما يحول دون الحوار الموصول بين المجلسين, بل هناك ما يمكن تسميته بالحساسية الموروثة بين المجلسين, فالانطباع السائد بين النواب, أن مجلس الاعيان هو أداة حكومية, ينفذ رغباتها التشريعية, ويدللون على وجهة نظرهم, بأن مجلس الاعيان يأخذ دائما قراراته بالاجماع، ولا وجود للرأي الآخر المعارض لرأي الحكومة.

وللحقيقة والانصاف فإن اللجان المختصة في مجلس الاعيان تناقش بجدية وعمق ما يعرض عليها من مشاريع قوانين وبحضور واسع من الاعيان من خارج عضوية اللجنة المعنية, وتطرح فيها كل الآراء, لكن العرف السائد عند الاعيان, ان الرأي الآخر او الاقلية, لا تعّبر عن وجهة نظرها كتابة ولا تصّر على عرضها للتصويت تحت قبة الاعيان, ونادرة هي الحالات التي شهدت اقتراحات بديلة او معارضة للرأي السائد.

وللإنصاف ايضا لا بد من الاشارة الى الحضور الدائم والمستمر لدولة رئيس مجلس الاعيان لجلسات مجلس النواب, والاستماع الى كل الافكار والآراء المتداولة اثناء المناقشات العامة للقوانين, وكأنه بذلك يعوّض عن حالة غياب الحوار ويستقي الافكار من النبع مباشرة.

ومن الامور التي تثير حساسية النواب ايضا, عناد مجلس الاعيان وتجميده بعض التشريعات لسنوات من دون البت بها مثل القانون المؤقت للجوازات، الذي للنواب رأي مخالف لرأي الحكومية فيه، ولم يعط مجلس الاعيان رأيه في القانون حتى اليوم, وكما حصل سابقا مع قانون الكسب غير المشروع الذي جمّد لسنوات قبل ان يفرج عنه.

هذا العناد يعطي انطباعا بالفوقية يمارسها الاعيان على النواب, ولا ارى شخصيا مبررا لحجز اي مشروع قانون، لأن الدستور يحدد مسارات واضحة لسن القوانين او لتعديلها او لرفضها.

ومهما يكن من حساسيات او حسابات شخصية, او غيرها، تبقى مهمة الحوار المسؤول بين المجلسين مهمة مطروحة دائما للوصول الى افضل النتائج بأقصر الطرق.

*نائب وسياسي اردني

التعليق