الأزمة الاجتماعية للأحزاب السياسية

تم نشره في الثلاثاء 1 نيسان / أبريل 2008. 03:00 صباحاً

يكاد لا يختلف اثنان على أن الأحزاب السياسية في الأردن تعاني من أزمة كبيرة في ظل عملية التحول السياسي التي يمر بها الأردن. وتكتسب هذه الأزمة أهمية كبيرة في ظل قانون الأحزاب النافذ والذي يفرض على الأحزاب تصويب أوضاعها على ضوء متطلبات القانون الجديد وإلا واجهت احتمالية الإغلاق أو اللاقانونية.

وتنصب التحليلات وخاصة الحزبية منها في تفسير أزمة الأحزاب السياسية على البعد القانوني سواء كان ذلك مرتبطا بقانون الأحزاب السياسية أم بقانون الانتخابات البرلمانية نتيجة تدني الحضور الحزبي في الحياة العامة والسياسية، أو نتيجة العلاقة العدائية والصدامية التي كانت قائمة بين الدولة والأحزاب قبل عودة الديمقراطية ومخلفاتها على الثقافة السياسية الحالية، ولكن نادراً ما يتم تناول الأزمة من منظور علاقة الأحزاب بالمجتمع.

أعتقد أن الأزمة أكثر عمقاً وأكثر تجذراً من بعدها القانوني على أهميته، وأن أزمة الأحزاب هي في الوقت ذاته أزمة مجتمعية ولها أبعاد اجتماعية/ اقتصادية ضاربة جذورها في بنية المجتمع الأردني بأبعاده الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية. فالأحزاب السياسية هي تكوينات جماعية تشترك في رؤيا ومصالح مجتمعية محددة وتكون معبرة عن مصالح اقتصادية/ اجتماعية من خلال إطار أيديولوجي محدد يكرس بعض القيم.

إن الأحزاب ليست تكويناً سياسياً لأناس يحملون أفكاراً وتصورات مشتركة فقط، وإنما هي تعبير عن مصالح طبقية أو تكوينات اقتصادية اجتماعية من خلال برنامج سياسي يكفل تحقيقها. وهذا يعني أن الأحزاب السياسية ليست تجمعاً فكرياً فقط لأناس يحملون أفكاراً متشابهة، وإنما هذه الأفكار هي تعبير عن المنظور الأيديولوجي لهذه الجماعات وكيفية تحقيق مصالحها.

إن نظرة سريعة إلى التركيبة الاقتصادية الاجتماعية والتطورات التي حصلت عليها حتى وقت قريب في الأردن، أنها لم تشكل بيئة خصبة لتطور الأحزاب السياسية أو لثقافة سياسية حزبية. وإذا ما نظرنا إلى التركيبة الطبقية في المجتمع، نستطيع القول بأنها تطورت بطريقة لم تصبح معها الطبقات الاجتماعية حاضنة لمشاريع أو برامج سياسية محددة. فعلى سبيل المثال، فإن الطبقة العاملة في الأردن (والتي كانت أكثر تماسكاً في مرحلة سابقة) أصبحت ضعيفة ومشرذمة لأسباب عديدة منها وجود نسبة كبيرة من العمالة الوافدة في قطاعات متعددة وهامة كالقطاع الزراعي والإنشاءات والخدمات بمجملها. كذلك، فإن الغالبية من العمالة تعمل في منشآت صغيرة لا تساعد على بلورة رؤية مشتركة لمصالحها وبالتالي صعوبة تنظيمها والاصطفاف حولها مع تدني نسبة العاملين في القطاع الصناعي الكبير.

والحال لا يختلف كثيراً لدى الطبقة الوسطى والعليا، حيث أن نسبة كبيرة فيها تعمل في القطاع العام غير المعني بالانتساب إلى الأحزاب أو تشكيل أحزاب سياسية بسبب استفادتها المفترضة من القطاع العام وتقارب مصالحها مع الحكومات أكثر من أي شيء آخر. أما الشرائح غير المرتبطة بالقطاع العام منها فتتشكل من فئة التجار الصغار والكمبرادور بالإضافة إلى المهنيين. كذلك الحال بالنسبة للطبقة العليا، فقربها التاريخي للحكومة/ الدولة جعلها قادرة على تحقيق مصالحها والمشاركة السياسية من خلال الأطر غير الحزبية، فتدنى الحافز لديها للمشاركة في تشكيل أحزاب أو الانخراط في أحزاب قائمة.

فباستثناء جبهة العمل الإسلامي والإخوان المسلمين التي تمتد جذورها إلى أجزاء محددة من الطبقة الوسطى يكاد لا يوجد أي امتداد شعبي أو جماهيري لبقية الأحزاب الأخرى. وبالتالي تبقى برامج الأحزاب أقرب إلى النظرية والشعارات العامة منها إلى برامج عملية تطبيقية يمكن أن يكون لها صدى في البنية الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التركيبة الديموغرافية الحالية للمجتمع الأردني لعبت دوراً سلبياً، في تطور الأحزاب السياسية لأنها تؤدي إلى انقسامات واصطفافات أفقية وليست عامودية. إن الطريقة التي تطورت بها الأحزاب السياسية وضعف البنية الاجتماعية الضرورية لتطور الأحزاب والتي أضحت الأحزاب غير قادرة على تلبية الطموحات السياسية للعديد من أفراد وشرائح المجتمع.

إن أزمة الأحزاب السياسية هي ليست أزمة أحزاب فقط بل هي أزمة دولة ومجتمع في آن واحد، على الأقل في المنظور المستقبلي لتطور الحياة السياسية والديمقراطية في الأردن. وبالتالي، فإنه لمن غير المؤكد أن تستطيع الأحزاب أن تنهض دون إعادة التفكير في علاقتها مع المجتمع، ودون إحداث تغيرات قانونية وسياسية كفيلة بالنهوض بالأحزاب.

أكاديمي أردني

التعليق