"الليبراليّة الوطنيّة" ضربٌ مِنْ "كيمياء" "الحكماء"

تم نشره في الجمعة 28 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

في (23/3/2008) كتب الأستاذ محمد أبو رمّان مقالةً تدور حول "معركة الكرامة". وعقّبَ صاحب هذه السطور على المقالة إيّاها تعقيباً مقتضباً. وكان محور التعقيب هو التشكيك في ليبراليّة أبي رمّان وزميله حسن البراري الذي عقّب بدوره على المقال. ومصدر التشكيك هذا، هو أنّ المقالة كانت أشبه باحتفالٍ بموقعة حربيّة؛ وهو الاحتفال الذي سيعود حسن البراري على بدئه في مقالة استئنافيّة بتاريخ 25/3/2008.

والمقالة هذه، استهلّها صاحبُها بوصم الذين طارحوه الرأيَ بـ"السذاجة". ولكنّ هذه ليست القضيّة؛ إنّما القضيّة هي كيف يمكن لليبراليّ أنْ يمتدح فعلاً حربيّاً عنفيّاً. ولئن جادل البراري وأبو رمّان وغيرهما في ماهيّة الليبراليّة وفي عدم قصرها على مفهوم محدّد؛ بقيَ أنّ الأخيرة (أي مَنْ يكنّي عنها) لم تنفكّ تنصّب الإنسانَ الفرد عَلَماً عليها، وتلحّ وتلحف في أنّ الحياة إنّما تدور حول هذا الإنسان وحول سعيه ومعاشه وسعادته.

ولا ريب في أنّ البنود الأخيرة هذه(أي الحياة والإنسان وسعيه ومعاشه وسعادته) لا تتحقّق إلّا مِنْ طريق السياسة وليس الحرب. هذا على رغم زعم عسر انفكاك الأخيرتيْن، واحدتهما مِنَ الأخرى، على ما ذهب فون كلاوزفيتش، حين رأى أنّ "الحرب استمرار السياسة ولكنْ بوسائل أخرى". وأغلب الظنّ أنّ مطارحتيّ البراري وأبي رمّان انبنتا على قولة كلاوزفيتش الآنفة؛ أي إضفاء(أو تلفيق؟) بعض "السياسة" على الحرب. وقد تكون القولة إيّاها فيها بعض الصحّة، ولكنّ الجليّ أنّ فيها الكثير مِنَ الخطأ. فليست الحرب امتداداً للسياسة؛ فالأخيرة تفترض إجراء وتدبير شؤون الاجتماع بوسائل سلميّة، فإذا لابسَ العنفُ السياسةَ، كفّتْ هذه عن أنْ تكون سبيلاً لـ"تقليل الموت"، بحسب أرسطو اليونانيّ. وعلى هذا، فالحرب هي "الحُكْم" بالقسر والقوّة، وهي صراع على "وسائل" السياسة فوق ما هي امتداد للسياسة وأكثر.

والصراع على "الوسائل" هذه، حَمَلَ أحد الأنثروبولوجيّين الكبار، بيير كلاستر، على الحدس في الحرب، رائياً إليها على أنّها نقض على الدولة. والنقض على الدولة هو الحؤول بينها وبين تبلورها واستوائها وظهورها. وحين يمتدح "ليبراليٌّ" الحربَ، أيّ حرب، و"يغنّي" لها، ويبدي ويعيد في"البطولة" و"البسالة"، فهو يمارس نقضاً على ميراث إنسانيٍّ وليبراليٍّ مديد لا يني يندّد بالحرب وعواقبها. فإذا سوَّغ "الليبراليّ" موقفَه هذا بـ"الوطنيّة"؛ كان ذلك شبهةً على الليبراليّة، وهو شبهةٌ على الليبراليّة، وتالياً، على السياسة نفسها. بيد أنّ هذا كلّه، وغيره ومثله، في المنطوق الحسنيّ البراريّ، ليس يُعَدّ مأخذاً أو مطعناً؛ بل هو آية مِنْ آيات "الليبراليّة الوطنيّة".

وكائناً ما كان شأن الحرب والقول فيها وعليها؛ يبقى أنّ المقالة البرارية تسهو، إذ تتصدّى لـ"تأريخ" الحروب(بضمير المتكلّم!)، عن أنّ "المجتمعات" العربيّة لم تخض مخاضَ حربٍ واحدة منذ "الاستقلال"؛ فما جرى ويجري هو غارات أو غزوات عشائريّة، وهذا ما لم يتكتّم صاحبُ "القاعدة" على الصدوع به؛ فهو سمّى نطح الناطحتيْن "غزوة". والأخيرة هي في منزلة الغارة، والغارة(ومنها نقول:"على حين غرّة")، هي هجمة مباغتة في "عمق" العدوّ (أي مدنيّيه) والعودة السريعة منه(مِنَ العمق). وحتّى حرب عراق صدام على إيران لم تكن حرباً وطنيّة، أي على مثالٍ وطنيّ؛ فالحرب، مِنْ وجه أوّل، امتحان سياسيّ مؤسّساتيّ عسير، وهي مِنْ وجهٍ ثانٍ ميزان اجتماعيّ لقدرة المجتمعات على الصمود والإدارة والتدبير والتعبئة والتماسك. فإذا حالت الحربُ دون ذلك؛ كان حؤولها قرينةً على ضعف التدبير السياسيّ، وأمّا إذا أفضتْ إلى التمزّق والتصدّع وتقطيع أوصال المجتمع(كما حصل بالعراق)، كان ذلك قرينةً على تهافت مزاعم"الوطنيّة".

ولكنّ المقالة البرارية لا تكتفي بمديح الحروب والجيوش؛ بل تعرّج على قضايا "فكرية وفلسفية" و"تاريخيّة". فتأخذ مِنْ كلّ "تأريخ" مستطرف بـ"نقل" مستظرف. فيبدأ صاحبُنا بإرشادنا وإخبارنا عن "منهجه" في "المعرفة"، فهو "دائم الشكّ". ولكنّنا لا نعثر في المقالة الحسنية البرارية على أيّة قرائن شكّ، كمثل "ربّما" و"قد" و"على الأرجح". بل إنّها تنضح يقيناً، فإذ يوضّح الشكّاك موقفه مِنَ "التأريخ"، يقول: "لا علاقة على الإطلاق...". وأمّا التعاطف فهو "منقطع النظير". فإذا جهر بموقفه مِنَ الليبراليّة قال:"أنا ليبراليّ حتّى النخاع" وربّما كان هناك تأويل لـ"الشكّ" المزعوم في "على الإطلاق" و"منقطع النظير" و"حتّى النخاع". والتأويل هذا، هو أنّ "الشكّ" البراري "وطنيّ"(على وزن "الليبراليّة الوطنيّة")، مِنْ أجل ذلك هو شكّ يطفح يقيناً وثقةً.

وتتردّد في ثنايا المقالة الحسنية البرارية، كالصفعات، ألفاظ مثل؛"الطبيعة" "وطبعا" و"السخاء" و"مشاعر العداء". والألفاظ هذه، يُجريها صاحبُنا مُجرى السياسة، حين هي مِنْ أحوال الطبائع، وهذا كلّه، مرةً أخرى، نقضٌ على السياسة وعلى الليبراليّة.

وأمّا "الشهداء" وأعدادهم فهم مِسْك ختام المطارحة البرارية. فالشطر الراجح مِنَ السجال حول "معركة الكرامة" هو "الشهداء"؛ فقطبا المطارحة يزايدان على بعضهم بعضاً بعدد الشهداء، والتنافس يجري حول تحطيم الأرقام القياسيّة في عدّادات الشهادة. وكلٌّ يدّعي أنّه "قدَّم" (وأحياناً "زفَّ") شهداء أكثر مِنَ الآخر. فالسجال، إذاً، مداره على الموت، والتسابق على الموت؛ فالشاطر هو مَنْ "يقدِّم" شهداء أكثر. ولا بأس بذلك إذا خرج هذا الكلام مِنَ العاميّين، ولكنّه يخرج مِنْ "مؤرّخين" "ليبراليّين".

وهذه كلّها، تراها "الليبراليّةُ الوطنيّة" أموراً معقولة ومقبولة. وأمّا "السذّج" أمثالنا، فيرون أنّ خلط الليبراليّة بالشهداء و"الفدائيّين" والبطولة والبسالة والانتصارات، والتوليف بين الشكّ و"على الإطلاق" و"حتّى النخاع"، وسَلكها في سلك واحد وفي كلٍّ وجميعٍ، هي(الخلط والتوليف والسَّلك) ضرب مِنَ الشعوذة؛ وعَودٌ على "كيمياء" "الحكماء".

كاتب أردني مقيم في السعودية

hisham@3c.com.sa

التعليق