تمكين المرأة: تحدٍ وفرصة

تم نشره في الأربعاء 26 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

يشكل يوم المرأة العالمي، الذي مرّ قبل أيام، فرصة للتفكير بالدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه الذي تلعبه المرأة في كل مجتمع وأمة. وقد حان الوقت لإدراك المساهمة المميزة التي تقدمها المرأة في كل مكان لازدهار وتماسك وتقدم المجتمع البشري والاحتفال بها. ويتخذ موقع المرأة الفريد أهمية عظمى في أوقات التوتر والطوارئ. في السنوات التي عملْتُ فيها مع اللاجئين في كل قارة، شهدْتُ مرة بعد أخرى كيف تعتمد المجتمعات في الأزمات، من أجل بقائها وتعافيها، على القوة الداخلية المتأصلة في المرأة وصمودها وإبداعها. وبغض النظر عن حجم المصيبة، وطالما أن هناك جدّات وأمهات وأخوات وعمات وخالات، هناك دائماً التزام وقناعة، وإن كانت صامتة، بأن الأوقات اليائسة سوف يجري تحملها وأن الوضع سيعود يوماً إلى حالته الطبيعية.

لقد أكّد عملي مع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسورية ولبنان وغزة والضفة الغربية على احترامي للدور الذي تلعبه المرأة كراعية للقوة والبقاء والتجديد في المجتمعات المعرضة للضغط. المرأة هي صخرة القاعدة لمجتمعات اللاجئين في فلسطين، تشكل قوة فاعلة في تماسك الأسرة والمجتمع. الآن أكثر من أي وقت مضى تحيك المرأة الخيوط التي تشكل النسيج الاجتماعي مجتمعها من خلال السعي وراء فرص جديدة في التعليم والعمل، فتدعم حقوقهم المدنية وتصنع دوراً أقوى وأكثر عدلاً لهم داخل المجتمع الفلسطيني.

بينما تحتفل الأمم المتحدة بيوم المرأة العالمي وتطلق حملة لإنهاء العنف ضد المرأة في كافة أنحاء العالم، من الأهمية بمكان أن تنعكس معايير المساواة وعدم التمييز والفرص المتكافئة والحماية العالمية في ممارسات أساليب راسخة عبر المجتمعات الفلسطينية. الإحصائيات العالمية تثير الصدمة. حسب تقديرات الأمم المتحدة، يرجح أن تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء في العالم للضرب والإكراه على ممارسة الجنس أو أنواع الإساءات الأخرى أثناء حياتها. يجب ألا تتعرض المرأة الفلسطينية لإساءات كهذه في منزلها ومكان عملها. إضافة إلى أعباء ستين سنة من النفي والصعوبات الوحشية تحت الاحتلال في الضفة الغربية وغزة.

هناك رغبة تنعكس أصداؤها في كافة الأرجاء في غزة، حيث تواجه المرأة تحديات جديدة من داخل مجتمعها الذي أصبح الآن أكثر محافظة، بتغيير إيجابي وعزيمة لا تهتز لإحداث هذا التغيير. وقد صمم برنامج "المساواة في العمل" لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA) لدعم ومساعدة الفلسطينيين والنساء اللاجئات الفلسطينيات لتحقيق متطلّباتهن ورغباتهن في المساواة والكرامة والحرية، أي الحرية من العنف والإساءة إضافة إلى حرية التعبير عن أنفسهن وتحقيق أحلامهن.

ضمن برنامج "المساواة في العمل" تقوم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إضافة إلى منظمات غير حكومية أخرى شريكة، بتوفير فرص في التعليم والتدريب والمؤسسات متناهية الصغر للنساء اللاجئات للمساعدة في توسيع آفاقهن وتعزيز قدراتهن في العمل المجدي مالياً. توجد الآن برامج لرعاية الحوار البنّاء في المجتمع حول كلفة النزاع الداخلي بين الفصائل ودور المرأة في حله. من خلال نشاطات كهذه، وعمل المجموعات النسائية ومراكز برامج المرأة في مجتمعات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان والمناطق الفلسطينية المحتلة، تحقق النساء خطوات واسعة نحو بناء مجتمعات قوية شمولية ويجري التشارك فيها بالقيم والحد من عدم المساواة وإعادة تشكيل الأدوار التقليدية المعتمدة على النوع الاجتماعي من أجل صالح المجتمع. نحن نسعى لرعاية تنظيم المجموعات النسائية على مستوى الجذور لمساعدتها على تحقيق المساواة الحقيقية في صنع القرار على أعلى المستويات.

تضمن مجموعات مثل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية (المنظمة المظلة للتمثيل النسائي في منظمة التحرير الفلسطينية) حضوراً نسوياً في المجال السياسي يمكن من خلاله سماع احتياجات وحقوق النساء والفتيات ومخاطبتها. لقد أصبحت المرأة الآن في موقع جيد للعب دور حاسم في تحقيق تغييرات تشريعية تتعلق بالقانون الانتخابي أو الحقوق القانونية أو أنظمة مكان العمل. أثني بدوري على هذه الإنجازات وأرحب بها.

يقع عبء إيجاد طرق لتغذية الأطفال وتوفير اللباس والتعليم لهم تقليدياً على المرأة. وبينما ترتفع معدلات البطالة في أنحاء المناطق الفلسطينية المحتلة، تقدم المرأة تضحيات لتوفير هذه الأمور لأسرتها. تجوع الأمهات حتى لا يجوع أطفالهن.

وترى المرأة داخل الأسرة التطور العاطفي والاجتماعي والفكري والشخصي لأطفالها، فهي تغرس القيم الاجتماعية في أذهانهم، وهي تلك القيم التي تشكّل المجتمع المدني. وعندما يعود أمر صنع القرار إلى المرأة تدافع الأمهات أحياناً عن حقوق بناتهن في الحصول على تعليم رسمي والذهاب إلى الجامعة والعمل خارج المنزل. ويدرك الفلسطينيون قيمة تعليم الفتيات، بحيث يمكن رؤية النتائج في الأرقام: تسجّل آلاف الفتيات في الضفة الغربية في المساقات الجامعية بهدف استخدام مؤهلاتهن لمتابعة مجالات عمل كانت في الماضي حكراً على الرجال.

ولكن ما الذي يمكن تحقيقه لو كان الوضع مختلفاً؟ لو لم تُمنع النساء من التنقل لحضور الصفوف الدراسية، لو لم تكن الكهرباء التي تعتمد عليها مجموعات التركيز متقطعة، ولو تقدمت المواقف والتوجهات الاجتماعية قدماً نحو المساواة والعدالة للمرأة، ولو توفرت الموارد لتحقيق هذه المبادرات؟ يتطلب السلام وحقوق الإنسان التي يمكن احترامها والتنمية الهادفة حضوراً نشطاً للمرأة. من المستحيل فصل النضال لإنهاء الظلم للشعب الفلسطيني عن النضال من أجل حقوق متساوية لكافة شرائح هذا الشعب. ينادي كل من الكفاحين بجهود جبارة ضخمة من طرف الجميع، رجالاً ونساءً على حد سواء، للعمل معاً للتغلب على المعوقات المتأصلة في حياة اللاجئ. إلا أنه جهد يجري تحقيقه رغم كافة الظروف من قبل المرأة الفلسطينية في كل مكان بشجاعة وتصميم ونسبة متزايدة من النجاح.

كارين أبو زيد هي الأمينة العامة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع خدمة Common Ground الإخبارية.

التعليق