خمس سنوات على غزو العراق: الدروس والعبر

تم نشره في الاثنين 24 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

لا نعتقد ان اقليم الشرق الأوسط اكثر أمنا او استقرارا بعد خمس سنوات من غزو العراق، بل نعتقد ان درجة عدم الوضوح السائدة وانعدام توازنات القوة التقليدية وتطور تلك الجديدة بشكل يومي مضطرد من بواعث عدم الاستقرار، الامر الذي يرشح الاقليم لمزيد من التناكف والتصارع وربما مزيد من الحروب.

الشرق الاوسط الآن في حالة انتظار لما ستؤول اليه الامور، واطراف المعادلة السياسية تنقسم الى قسمين: احدهما تلك الاطراف التي تحاول حجز مقعد على طاولة الكبار القادمة، وتعظم مصالحها بالتعريف الذي تضعه هي لهذه المصالح. والمجموعة الاخرى تلك الدول التي تحاول ألا تخسر من موقعها الذي تقبع به وتدهس او يتم اقتسامها في ظل هذا الحراك الذي لا يبدو انه سيرحم احدا.

قرار الحرب على العراق سيدخل التاريخ بتقديرنا على انه خاطئ ومتسرع وألحق خسائر سياسية واقتصادية اكثر بكثير مما جنى. اكبر نقاط ضعف هذا القرار كان عدم ادراك متخذيه حجم خطورته او مرحلة ما بعده، وكان مثيرا في عام 2003 استخدام الادارة الاميركية حالة اللحمة الوطنية التي تسنت بعد احداث ايلول لتمرير قرار الحرب محاولة آنذاك ربط النظام العراقي بالارهاب. لكن للموضوعية نقول ان هذا القرار ما كان ليتخذ لولا ان النظام العراقي أعطاه كل الاسباب الموجبة، وما وفر لحظة الا وأثبت من خلالها انه نظام خطر ولا يمكن التعايش معه.

سر خطورة النظام السابق انه كان يتربع على كم هائل من الثروة المادية والبشرية المؤهلة، وهو وبذات الوقت، يتبنى أجندة سياسية عصية على التنبؤ والردع ما اكسبه صفة ميّزته عن باقي انظمة العالم المشكوك بأجنداتها غير المنضبطة ضمن نسق العلاقات الدولية المعروفة.

ما نزال بعد خمس سنوات من الحرب على العراق نحاول احتواء وتقويض قوانين العمل السياسي التي قدمتها هذه الحرب لنا والمتمثلة بشرعية الضربة الاستباقية من جهة وتقسيم العالم لثنائية "مع او ضد" من جهة اخرى، واخيرا ربط الديمقراطية بالاستقرار والهرولة اليها.

طارق عزيز ابان الحرب كان يعتقد ان الضربة الاستباقية ضرب من ضروب الجنون، وخروج على القانون الدولي، وان كنا لا نتفق مع هذه التبسيطية، الا اننا نقر ان تبني هذا النهج الدولي أحدث حالة من الفوضى غير البناءة وادخل الاقليم في دهليز لا يعرف احد الى اين سيؤول او ما هي كم الحروب والصراعات التي سينتجها.

تعلمنا الآن ان تلقي الضربة الاولى ثم الانتقام لها، وهو حال العالم والعلاقات بين الدول قبل حرب العراق، افضل بعشرات المرات من شن الحروب الاستباقية. وتعلمنا ايضا ان فهم الاقليم من خلال ثنائية من ليس معنا فهو حكما ضدنا، تجعلنا نرى الصورة السياسية مشوهة، وتقحمنا لاتخاذ مزيد من القرارات الخاطئة.

ندرك، الآن، ان اقليمنا لا يمكن ان يقسم ضمن منظومتين اثنتين فقط، وان فهم تدرجات هذا الاقليم ومواقف دوله المتباينة وتشابك مصالحهم المعقدة ضرورة لا غنى عنها حتى نتجنب أخطاء كالحرب على العراق او غيرها. اما مبدأ الهرولة للديمقراطية فقد اثبت ايضا بطلانه لاننا نعيش في اقليم تحمل معظم انظمته عددا من شهادات الدكتوراه المتخصصة بوقف "آفة الديمقراطية" والسيطرة عليها! لذا فقد بات ضروري العمل من خلال هذه الانظمة وليس رغما عنها في موضوع الاصلاح والديمقراطية.

وقد رأينا قدرة الانظمة على تقويض الديمقراطية عندما تحفزت حتى القوى الداعمة للديمقراطية لرفضها نكاية بالمبشرين بها. ونؤكد هنا على هذا الرفض، ولكن ليس لذات الاسباب إنما لضرورات واستحقاقات اجتماعية وسياسية لها علاقة بنا نحن مواطني هذا الاقليم المعنيين بإنضاج الظروف التي ستجعل الديمقراطية نظاما فاعلا يحقق مبتغاه ويوظف طاقات المجتمع وشحناته السياسية بطريقة مثلى لا ان يكون وصفة للفوضى وانعدام الامن او طريقا لوصول غير الديمقراطيين المتمرسين على تعبئة الشارع الانتخابي خلفهم. 

كل هذه اللعنات التي نكيلها للحرب وما احدثته في هذا الاقليم لا يجب ان تثنينا من التعامل بواقعية مع استحقاق اصلاح هذا الاقليم. وبصرف النظر عن اي مواقف سياسية، فلا بد من الاندماج وبفعالية بإصلاح العراق وتهدئته واعادته دولةً فاعلةً ومستقلةً، وهذا لا يعني تعاونا مع الاحتلال او التنظيف خلفه، وانما واجبنا القومي والانساني تجاه الشعب العراقي الكبير وقياداته الحالية التي لا تقل وطنية او غيرة على العراق من سابقاتها. 

mohamed.momani@alghad.jo

التعليق