إبراهيم غرايبة

سكن كريم لعيش كريم

تم نشره في الاثنين 24 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

ربما تكون المداخيل في مصر أقل بكثير منها في الأردن، ولكن يكاد يكون كل مواطن مصري يملك بيته، فموظفو الحكومة والشركات الكبرى يحصلون تلقائيا على سكن وظيفي، ويستطيع الناس في المدن والأرياف تدبر أمور السكن ضمن منظومة من التسهيلات والفرص التي تجعل معاناة السكن في مصر أقل من الأردن، وليس مرد ذلك فقط إلى الفروق في أسلوب الحياة ونمط العيش، ولكن ثمة موارد وفرصا يمكن للحكومة والنقابات والشركات والمجتمعات أن تجعل بها السكن أمرا متيسرا أو أقل كلفة مما هو قائم لدينا في الأردن، وثمة خوف منطقي ومبرر أن تتحول مشروعات الإسكان إلى مصدر للربح الفاحش للمقاولين، وتذهب فائدتها الحقيقية إلى الأغنياء وليس الفقراء.

السؤال الأول والأساس الذي يجب أن يحكم التفكير والتخطيط هو كيف تخفض تكاليف الإسكان، كيف يمكن توفير مواد ومدخلات للبناء متعددة وبديلة يكون بعضها قليل التكلفة، هل استخدام الحديد والاسمنت في البناء لأغراض السكن قدر لا راد له؟ هل يمكن الاستغناء عنهما أو تقليل استخدامهما؟ وهل يمكن الحصول على مواد بديلة وأقل تكلفة؟ كيف تبنى البيوت وتصمم لتلائم التدفئة والتهوية والإضاءة وتكون بذاتها قادرة على توفير الدفء والحماية والتهوية والتبريد والخصوصية والجمال بأقل قدر من استخدام الطاقة؟ كيف تكون الشمس مصدرا للتدفئة والإضاءة والتكييف أيضا؟ كيف تكون الطبيعة بذاتها مصدرا وسببا لعيش جميل وكريم بدلا من التدخلات التقنية المكلفة؟ هل يمكن أن يعود البناء مهارة أكثر انتشارا وسهولة تجعل الإنسان قادرا على بناء بيته بنفسه وكما كان متبعا وما يزال متبعا وسائدا في دول متقدمة مثل الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة الأميركية؟ كيف يكون الريف مع تقدم المواصلات والطرق جاذبا للسكن والناس، ولماذا لا تكون الجامعات والمستشفيات خارج المدن؟ وكيف ننشئ حول المؤسسات من الجامعات والمدارس والوزارات والمدارس منظومة أخرى موازية من الحياة الاقتصادية والاجتماعية؟ لماذا لا تنشأ حول كل مؤسسة مجموعة من المساكن والمدارس والمساجد والمرافق؟ هل يمكن إقامة مصانع لمواد البناء والأثاث توفر متطلبات السكن والإقامة والعمل والحياة بمواصفات عملية وجمالية متقدمة وبتكاليف أقل؟ كيف نستفيد من الأمطار في توفير مياه الشرب؟ كيف وهل يمكن أن نجد وسائل للتدفئة أقل تكلفة وأكثر فعالية من الديزل والغاز والكاز؟

كيف ننشئ حياتنا الحقيقية باحتياجاتها المادية والمعنوية حول المكان والموارد؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا، فالأمم كما يقول إدوارد سعيد تتشكل من سرديات ومرويات، وتشبهها قصة عن زعيم أحد الهنود الحمر في كندا يقول لمسؤول حكومي يصادر أراضيهم: إن كانت هذه أرضك فأين هي قصصك؟ فالتراث في حقيقته يصور كيف أن الحياة المشتركة هي التي تنشئ علاقات ومصالح وتاريخا تنسجه ثقافة وقصص وأساطير وحكايات وذكريات، والناس في تجمعهم حول المكان والموارد والمصالح يشكلون مجتمعاتهم وحياتهم ومتطلباتهم الأساسية، وهذا الانفصال بين متطلبات الحياة وبين تجمع الناس سيجعل الحياة مرهقة ومكلفة ويقلل كثيرا من جدوى التدخلات الحكومية ومحاولات المساعدة.

قد يبدو الحديث نظريا وملتبسا ولكننا في مرحلة التحولات الكبرى التي نمر بها نحتاج إلى قدر كبير من الخيال لمواجهة مشكلاتنا وأزماتنا، فالوسائل والأدوات المتبعة اليوم لإدارة الحياة والأعمال تنتمي إلى عالم لم يعد موجودا، ولا يمكن مواصلة أسلوب الحياة الذي كان قائما على أساس أن سعر برميل النفط تسعة دولارات مع ارتفاع سعره إلى مائة دولار وقد يصل إلى مائتين وربما ثلاثمائة دولار في السنوات القليلة القادمة، وقد نوفر كثيرا من الوقت والتكاليف والجهود لو نحاول أن نتذكر ذلك.

ibrahim.ghararibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بين السلبية والتعليق (Ismael Quteifan)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2008.
    كون الكلام نظريا لا يجعله خاطئا أو خاليا من المعنى كما همز الأخ سليمان
    وقد قام الكاتب في أول فقرة بالحديث عن سلط الأغنياء على سكن الفقراء - وكونه مقتدرا ماديا إن كان لا يجعله مخطئا في كل ما يقول

    الفشل هو نتيجة لحدثين أولهما بطلان النموذج النظري - والآخر هو سلبية التطبيق العملي
  • »هيا الى العمل يا حكومتنا (nadia bakeer)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2008.
    كثيرة هي التجارب في مجال البناء وتوفير مساكن رخيصة وصحية ولكن عند الناس الاغنياء في النمسا والمانيا والسويد ولكن عندنا لا نجد اي تحرك ايجابي في هذا المجال ماذا يفعل مركز بحوث البناء في الجمعية العلمية الملكية وباي شيء تخدم كليات الهندسة المعمارية مجتمعناام ان مهمتها هي فقط استيراد المناهج الجاهزة من آخر الدنيا وتقليدها.نحن لدينا تراث من الابنية الطينية التي تحتاج بعض البحوث لتحسينها على الرغم من انها حتى في حالتها الحالية افضل من بيوت الاسمنت همتكم يا مهندسون لتحلوا لنا مشاكل السكن .
  • »الحمد لله (علاء الطهراوي)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2008.
    سكن كريم لعيش كريم.....

    حفظ الله جلالة الملك
    وسدد خطاكم يا سيدي
  • »بين النظرية والتطبيق (سليمان أبو الفول)

    الاثنين 24 آذار / مارس 2008.
    هذا الكلام النظري 100% سيكون ذو معنى لو كان الكاتب المقيم في فيلا فاخرة في عمان الغربية مطبقا الكلام على نفسه وسعى للسكن في الأرياف في بيت من طين لا تتوفر فيه الكهرباء ولا التقنيات الحديثة
    دائما الحلول تفشل لأن الفقراء هم من يدفع الثمن والأغنياء هم من يقدم الحلول النظرية البعيده عن التطبيق