د.باسم الطويسي

عمى السياسة المزمن

تم نشره في الأحد 23 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

    يكفي تحليل التفاعلات البينية العربية الصراعية والتعاونية خلال شهر، سنة ، عقد منصرم ؛ لاكتشاف حجم الاحتلال الذي تمارسه السياسة لكل التفاعلات المتبادلة في هذا الإقليم ، وهي حالة نادرة على مستوى النظم الإقليمية في العالم التي تشكلها الجغرافيا والمصالح، بغض النظر عن  الثقافة  والروابط الأخرى، فالسياسة تحتل المجال العام العربي في الكواليس الداخلية للدول وعواصمها، وتأكل الأخضر واليابس في التفاعلات البينية بين الأقطار العربية، ويكاد يكون كل ما يخرج عن الصراعات والتفاعلات والاستقطابات السياسية لا يعدو أكثر من طقوس وديكور قومي.

   مناسبة هذا الاستنتاج، خروج عمرو موسى أمين عام جامعة الدولة العربية بعد ان أعياه العناد اللبناني ومن يقف خلفه، وبعد ان استهلكت السياسة الفارغة جل عمر هذه المنظمة الدولية العجوز للحديث عن القمة العربية الاقتصادية المزمع عقدها في الكويت بدلا من الحديث عن القمة التي أشغلت الدنيا والمنتظرة بعد أيام قليلة  في دمشق. تحدث موسى عن خطط في الأماني القومية حول طرق برية تخترق الصحارى العربية، وسكك حديد ومشاريع أخرى تنتظر من يبادر بطرحها، ويبدو ان الأمين  فقد الأمل من الحيرة السياسية الممجوجة  على الساحة اللبنانية  وما حولها وقفز نحو قمة أخرى، ويا ليت الجامعة تعلن طلاقها للسياسة وتتنازل عن الوساطات والمبادرات برمتها.

   السياسة تحتل كل شيء في أفقر مجتمعات العالم  قدرة على المشاركة أو  التعبير السياسي، ووسط أكثر نظم العالم بعدا عن السياسة وإدارة المصالح من خلالها، لكل عاصمة كواليسها وغرفها الخلفية التي تدور فيها الأحداث وصناعة قوة التأثير, وتحتل من خلالها الأوطان باسم السياسة وتقود النقاش العام وتحاول ان تحدد اولوياته وتلوي عنق الحقيقة والبشر معا، ففي هذا الجزء من العالم يعرف هذا السلوك الأقرب الى المؤامرة والمكائد والوشاية والعنف المباغت جورا بالسياسة. 

     قد لا تستطيع الأجيال العربية في ظل تراكم التكدس الحضاري المجاور أن ترى الفوات والتأخر الذي يلحق بالبنى الاجتماعية التاريخية العربية والإسلامية ومعطياتها المادية، ومدى إمعان فقدان الحاسة التاريخية الذي يؤكد كل يوم انسحاب عمى السياسة الى المجتمعات، فإضافة الى ازدحام الموت بجثث البشر، هناك موتى آخرون أبرزهم موت الحياة العامة العربية، وتراجع المجال العام بتعبيراته السياسية والثقافية في هامش ضئيل لا يتحرك إلا للخلف أو حينما تستفز غرائزه العصبية.

     على صوت ضجيج الآلات الناعمة شمال المتوسط وغربه، ووسط فوضى الآلة العسكرية المحتلة المنتشرة هنا وهناك؛ بات الانسان العربي يفتقد حواسه الحقيقية يوما بعد يوم وأهمها الإحساس بالزمن والتاريخ. لقد هدم الإغراق الإعلامي والتدفق الإخباري المرهق وفجائع الصور آخر ما تبقى من الخلايا العصبية للمجتمعات وورثها هذا الواقع  بلادة غريبة لا يستحقها إلا الموتى.

   إن المشهد العربي محاصر بالسياسية والأمن ولا مجال لازدهار شيء من دونهما، بينما تدار من خلالهما خطابات التنمية والحداثة والتحديث، فظهرت مشاريعنا في التحديث واللحاق بالعالم اتهامية وفارغة من كل شيء أكثر من أي وقت مضى، ومن أي مكان آخر.

      في حين أنتجت المجتمعات ونخبها نصوصاً مشغولة بتسييس كل شيء، ومشغولة بتوالي تقديم الإجابات الأحادية والمغلقة وابتعدت عن طرح السؤال، ادعت الحداثة المغرقة بالرموز القابلة لتفسير الحياة والتاريخ والآخر والعاجزة عن تفسير العجز السياسي العربي، فهي تملك القدرة على توريد الإجابات على نموذج ( إجابات تحت الطلب) لكل ما يخطر في البال والقادرة على الرد على أزمات العالم ومعالجة فواجع التاريخ، إنها مجتمعات ونخب  ونصوص في حالة طوارئ،  لذا لديها إجابات دائمة لكل الأسئلة المطروحة، والمحتمل طرحها في المستقبل القريب والبعيد أيضاً، لكنها فقيرة أمام تفسير قوانين التخلف ودوام الفوات في هذا الثقب الأسود من العالم.

Basim.tweisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العالم العربي (عبدالرحمن النصرات)

    الأحد 23 آذار / مارس 2008.
    أن من اسوء مايأرق العالم العربي والشعوب العربيه وجعل هناك نوع من الشتات الفكري والخلل المعتقدي ,الا وهو ادعاء مجموعة كبيرة من سكان هذا العالم بأمتلاكهم القوه الثقافية العالية المستوى, وكأنهم نزلت عليهم رسائل سماوية فجائيه, فترى فلان يتحدث عن الطب وكأنه محترف في ذلك وعلان يحرم ويحلل ,وعندما تسألهم من اين لك هذا يقول الاول ان علاج الصداع اسبيرين من النوع الفلاني وهكذا اصبح طبيب الثاني يقول وبكل فخر انني احفض سورة البقرة,وهذا يشكل نوع من الهجمات المقلقه الناتجه عن عدم الدرايه بنتائج مايفعل,وبحكم ما نعانيه في العالم العربي من الاشكاليات والمذابح السياسيه نرى ان نسبة السياسييين قد تجازت حدها المطلوب ,مع العلم بأنهم عقيمين في ما يتكلمون عنه وعقولهم لا تنجب حتى باحدث الطرق الطبيه (حتى الانابيب لا تصلح عقمهم المتأصل)فمن يعرف منهم جيفارا اصبح زدومن وجهة نظره (كسنجر)ومن يعرف تاريخ استقلاله (ان وجد) يعتبر نفسه (ميكافللي).....فالعرب وفي ضل ما يعانونه الان يفتقدون للمحترفين السياسيون والتخصيين في ذلك, وارى انه يجب علينا الابتعاد عن التدخل فيما ليس لنا به علم وذلك يأمن جانبنا وجانب غيرنا,,,,فالذي يحصل في العالم العربي يكاد يكون نتيجه لضخم الابحاث والافكار السياسيه التي جندها الغرب خصيصا من اجل العالم العربي وهذا عكس ما يحصل في العالم العربي من ادعائات كذب وتمثيل الانسان على نفسه واخذ دور المثقف والابداع في ادائه (ارى ان اكثر الادوار التي نبدع فيها هي من اخراج ايناس الدغيدي )......اما فيما يخص الجامعه العربي فارى ان الامل العربي قد قطعت اوصاله وقتل منذ ان بدأت تلك الجامعه
    ومذان بدأت امريكا بالتدخل الباشر في صناعة الداخل والخارح العربي سياسيا واقتصاديا وحتى اجتماعيا وثقافيا حيث جعلت تلك الجامعه المنسق القانوني للاهداف الامريكيه في المنطقه وكانت وما زالت تخدم الوجود الاسرائيلي وتخضله وبهدوء واضعان
    نحنوا لا نريد في العالم العربي الحديث وصناعة اللغه والمصطلحات بل نريد اشياء ملموسه وذلك املا في النجاة قبل ان يجرفنا تيار الحرفه والتخصص ,نريد ان يتحرك الداخل العربي ويثور وينفجر ويخرج ما دفنته الايام لنرضي ضمائرنا المتعفنه والمصبوغه بقاذورات المعتقد والاستسلام الذي كاد ان يصبح فينا فطريا....
    وبالعوده للمدعيين السياسه ارى ان كلامهم نوع من الهراء والتقلص الفكري الناتج عن ضغط الاحوال والاوضاع المحيطه بهم فهم بروا ان كلامهم يزيدهم قبول ورضى من الذين حولهم.
  • »Political Maturity (Mohammed Nasarat)

    الأحد 23 آذار / مارس 2008.
    We are at a very prepartory stage in the analysis of
    Our political, economic and social issues, so far Arabs have not yet reached the degree of political maturity and understanding of the global political game. Unfortunately, this calls for infamy.
  • »Arab desire (Mohammed Nasarat)

    الأحد 23 آذار / مارس 2008.
    It seems that all
    Arab summits attempts to revive peace plans.
    The summits have generated hope of a possible In the hearts of all Arabs.
    to achieve any political achievement.We expect that something can be achieved now.
  • »Damascus summit (Mohammed Nasarat)

    الأحد 23 آذار / مارس 2008.
    I think that the Arab summit to be held in Damascus must be on the very priorities of the United States and the deepening of faith and stress the need to give the Palestinian issue first class interest of the United States for a just and comprehensive peace that Israel's security will not be without danger, which puts it in the case of the continuation of the Intifada weak partner for the United States and the United States must realize that it may not neglected or underestimated Arab power.