صعود الشيعة ما بعد احتلال العراق

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

ثمة ظاهرة لافتة حول المد الشيعي، وهي أنه بالغزو الأميركي بلغ ذروته وأقصى قوة في تاريخه، وتحولت "الكتلة الشيعية" اليوم إلى قوة عالمية ممتدة على خريطة العالم الإسلامي تمثلها دول وجماعات ومنظمات ومؤسسات متنامية، وكانت قوتها الجديدة في العراق قوة إضافية لجميع الشيعة في العالم، وربما تكون مبالغة مقولة الإيرانيين اليوم "إننا القوة الأولى في العالم" ولكنهم بالتأكيد قوة عالمية واعدة أصبحت بمصاف القوى العالمية العظمى إلى جانب روسيا والصين وأوروبا والهند، ويبدو أنها تشكل تحديا ليس سهلا للولايات المتحدة الأميركية.

يعرض ولي نصر، مدير مركز الدراسات الإيرانية في كتابه "صحوة الشيعة" الصادر مؤخرا، لتأثير الغزو الأميركي للعراق في صعود الشيعة، إذ كان الغزو في حقيقته انتصارا إيرانيا وشيعيا، وتشكلت في أعقابه صحوة شيعية شملت العالم الإسلامي، وأدت بطبيعة الحال إلى نزاعات وأزمات طائفية على امتداد العالم الإسلامي، وأعادت إلى مرحلة البحث في التاريخ الإسلامي وتشكل الفرق والطوائف.

يسمي ولي نصر التشيع بـ"الإسلام الآخر" ولا يعني بذلك نفي الإسلام عنهم، وبالمناسبة فهو شيعي، ولكنه يقصد جانبا آخر من الإسلام أو تطبيقا مختلفا. فالشيعة يظهرون برأيه وجها مميزا للإسلام، يقوم على التعلق بالقيم الروحية والانفعالات الوجدانية، تشكل فيه الاحتفالات المهيبة بيوم عاشوراء واحدا من الرموز الخاصة بهم، والتي تظهر رؤيتهم المتفردة القائمة على تبكيت الذات والكفارة الجماعية والندب وجلد الذات.

وكثيرا ما يشتط الشيعة في احتفالاتهم رغم أنها احتفالات لم ترد في القرآن، إلا أنها مع ذلك تمثل أهم وسيلة توحد الشيعة وتربطهم بمذهبهم، وكما صنعت الصراعات الدينية السياسة في أوروبا، فإن النزاع الديني بين السنة والشيعة كان هو الطابع العام للتاريخ في العالم الإسلامي والشرق الأوسط الكبير، بدءا بالخلاف بين علي ومعاوية ثم الخلاف بين الأمويين والعباسيين والحروب والصراعات الممتدة على خريطة جغرافية وتاريخية واسعة وممتدة.

ولكن مع الزمن والأحداث التاريخية تبلورت لدى الشيعة طقوس ومفاهيم متميزة وخاصة بهم، يشكل استشهاد الحسين بن علي حدثا غير عادي من بينها، وتجليا ميتاتاريخيا (يخرج عن النطاق التاريخي الواقعي والمألوف).

يقول الشيعة بأنه قبل أن يكون هناك إسلام وقبل مولد الحسين وجد الجوهر الروحي لمأثرة الحسين الكبرى كتعبير أزلي سرمدي عن العناية الإلهية، ويزعمون أن كربلاء ودلالاتها كانت معروفة لدى جميع الأنبياء ولدى علي.

كربلاء في الوجدان الشيعي ليست مجرد مذبحة دامية، بل هي تدخل إلهي قصد لمنح المسلمين معلما روحيا حقيقيا، إذ قبل الحسين عن طيب خاطر الاضطهاد، وتقبل الشهادة كمنة ربانية، فحول بذلك آلامه ومعاناته إلى معنى أسمى وهدف أنبل، وفي هذا كما يرى المؤلف تعريف قاطع ومانع للشيعة.

ولذلك فإن الفرق، كما يرى ولي نصر، بين الشيعة والسنة ليس في العبادة ولكن في الروح التي يؤول بها الإسلام، فالفهم السني يتمحور حول الأخذ بإرادة الأكثرية والقوة الشرعية لإجماع الأمة، ولكن التشيع لا يعير أهمية لرأي الأكثرية في المسائل الدينية.

فالحقيقة عند الشيعة غير منوطة بجماعة المؤمنين، وإنما هي حق مكتسب من حقوق القيادة الصالحة للنبي والمتحدرين من صلبه، أو كما يعرف البعض الفرق بين السنة والشيعة أن السنة يعظمون النبي لأنه نقل الرسالة، ولكن الشيعة يعظمون الرسالة لأن النبي هو الذي نقلها.

ولكن التحدي الأكبر للخلافة والقيادة السياسية جعل المسألة الشيعية على الدوام قضية معقدة، فالثورات والخلافات الدائمة بين الأمويين ثم العباسيين وبين قادة الشيعة جعلت السياسة تتفاعل مع الدين على نحو أكثر تعقيدا وخطورة.

فقد أدى اضطهاد الشيعة إلى نشوء جماعات سرية ومبادئ لتنظيم العمل مثل "التقية" ثم العزلة الاجتماعية للشيعة على نحو يشبه ممارسات يهود الدونمة الأتراك الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ويخفون في الوقت نفسه هويتهم وديانتهم اليهودية.

فبدخول الإمام الثاني عشر حسب المعتقدات الشيعية في حالة استتار إعجازي تشبه الحالة الخلاصية التي يعتقد بها اليهود والمسيحيون والزرادشتيون قبل أن تكون العودة لإحلال العدل التي يؤمن بها أيضا اليهود والمسيحيون كل على شاكلته.

وقد أتاح هذا الغياب لعلماء الشيعة أن يتمتعوا بمكانة روحية امتيازية لم يعرفها نظراؤهم السنة، لأن علماء الدين السنة لا يختلفون عمن سواهم من المؤمنين سوى أنهم يعلمون بأمور الدين.

وقد عزز من هذه السلطة التي يتمتع بها العلماء الشيعة حالة العزلة التي يعيشونها والملاحقة التي نفذت فيهم من قبل القيادات السياسية والمجتمعية من السنة.

وقد طور الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق في القرن الثامن الميلادي فقها شيعيا يعرف بالمذهب الجعفري منفصلا عن العلم الشرعي السني الذي جرى تصنيفه وتقنينه في الزمن نفسه، ويختلف عن المذاهب السنية في مسائل تتصل بالميراث والخمس والتجارة والأحوال الشخصية، وزواج المتعة المؤقت.

إن الرابطة القائمة بين الشيعة ومرجعياتهم الدينية شبيهة بتلك القائمة بين الجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية وحاخاماتها، أو بين الجماعات الكاثوليكية التقليدية وقساوستها، وفي واقع الأمر فإن آيات الله أشبه ما يكونون بالكرادلة، وإن كان التشيع ليس له حبر أعظم (بابا).

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غيظ من فيض (محمد)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    ما كتبه الاستاذ ابراهيم يعتبر اضاءة ذكية على الملامح الاساسية للمذهب الشيعي، الذي لم يكن مقصدالمقال محاكمتهأأو تقرير موقف السنة من.
  • »شيعة !!!! (محمد البطاينة)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    لن ادخل في بدايات نشؤ المذهب الشيعي ، ولن اقف مطولا امام تاريخهم الذي كان وبالا على الامة ولم يكونوا يوما الا مطية للغزاة من مغول وصليبيين ، ولن اهاجم تبركهم بالقبور وتوسلهم بالاموات ، ولن احرضهم على اعادة التفكير في العلاقة بينهم وبين ملالليهم ( ايات الله ) ، ولن اتعرض علاقاتهم بامريكا واسرائيل السرية منها والعلنية، ولن اتباكى على سقوط بغداد بايديهم ولا حتى سقوط الشام، انا عندي رجاء وامل من علماء الامة المخلصين الذين يتقون الله ولا يخافون في الحق لومة لائم ان يضعوا النقاط على الحروف وان لا يبقى هذا الموضوع مكانا لاجتهاد الصحفيين والكتاب ، نريد فيهم قولا فصلا واحدا: هل هم مسلمون؟ هذا اولا ، وثانيا : المد الشيعي مد منظم وله برنامج واجندة ولكن قومي لا يعلمون، هناك ممولون ومخططون ومنفذون ولاعبون ظاهرون وكثر مخفيون ، اما (عربنا)فلا مشروع لهم ولا خطط لا واضحة ولا مخفيه وتاركينها (بالبركة)واكبر دليل هو تفاقم الازمات في المنطقة امام اعين الجميع دون ان يتمكنوا من ايجاد حلول لها ، من لبنان الى فلسطين الى العراق، تحولت كلا الى قضايا تحتمل الف مليون رأي ، والبقية تتبع .... يريدون تحويل كل المنطقة الى اراض رخوة لتسهل سيطرتهم عليها ، ففي غياب العدالة والتنمية يصبح استقطاب الحاقدين اسهل ، وشرخ المجتمع طبقيا وطوليا وعرضيا ايسر ، اللهم احم بلدنا وكل بلاد المسلمين .... وسلامتكم
  • »مطلوب توضيح (بشير ابوالذهب)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    الاخ ابراهيم المحترم :
    تحيه واحتراما :
    في مقالك لم نفهم الهدف او الخلاصه منه , هل هو تعريف بالمد الشيعي , فالجميع عرف بهذا المد . ام تعريف بالشيعه ام تحذير مبطن من خطر الشيعه علينا نحن السنيين!
    انا برايي اننا اصبحنا نحذر ونخاف من المد الشيعي ..
    بصراحه يجب ان نكون صريحين بهذا الامر هل الشيعه خطر على السنه , فالمتابع للاوضاع العامه المحيطه بنا ماذا يقرأ برايك ؟ هذه التساؤلات يجب ان تكون واضحه والوقوف عندها بكل جرأه حتى ناخذ احتياطنا مبكرا ونصبح متاخرين ونادمين يوم لاينفع الندم .
    واقبل فائق الاحترام
  • »توضيح (محمد البعول)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    أعتقد ان ما يقصدة الأستاذ الفاضل الغرايبة غير ما ذهب اليه بعض الزملاء في تعليقاتهم، والحقيقة أن المقال غير واضح بشكل يصعب التمييز بين رأي الكاتب ابراهيم الغرايبة وبين الكاتب الأصلي ولي نصر، ولذلك نرجوا من الأستاذ الفاضل الغرايبة ان يوضح الأمر ليقول للقاريء ما يعتقده هو وما ينقله لأجل البحث والدراسة.

    ملاحظة اخرى : الأستاذ الغرايبة بما لديه منهجية علمية قل نظيرها لدى الكتاب والصحفيين العرب وهو أبعد ما يكون عن مواضيع القص واللصق ، فهو موسوعي وصاحب امانة علمية في النقل ، وهذا ما يلمسه بسهولة كل متابع لكتابات الغرايبة .

    كأني بالكاتب الغرايبة يميل الى دراسة الظاهرة الشيعية تحت إطار أو عنوان علم الإجتماع وليس علم الفقه او العقائد ، الفقهاء والعقائديون لا يمكن أن يكونوا موضوعيين في تناولهم لخلافات المسلمين .

    الاستاذ الغرايبة يقول أو ينقل لنا القول التالي عن الإمام جعفر الصادق :

    (( وقد طور الإمام الشيعي السادس جعفر الصادق في القرن الثامن الميلادي فقها شيعيا يعرف بالمذهب الجعفري منفصلا عن العلم الشرعي السني الذي جرى تصنيفه وتقنينه في الزمن نفسه، ويختلف عن المذاهب السنية في مسائل تتصل بالميراث والخمس والتجارة والأحوال الشخصية، وزواج المتعة المؤقت ))

    اعتقد أن الكاتب قد جانب الصواب في ذلك فقبل الإمام جعفر الصادق لا يُمكننا أن نقول هناك علما" شرعيا" بالمعنى الصحيح سواء أكان سنيا" أو شيعيا" والإمام جعفر الصادق هو من قعد وأصل لهذا العلم في مدرسته في مسجد المدينة المنورة .

    ولذلك نتمنى على الاستاذ الغرايبة مراجهة هذه الفقرة والتعليق عليها .

    واما بالنسبة لكلامه عن للعلاقة بين الشيعة ومرجعياتهم ، فانا اعتقد أن هذا هو طموح كل أتباع الأديان أن يكون لهم بابا أو خليفة له صبغة دينية يدير شؤونهم ويوحد كلمتهم.
  • »بل يوجد حبر اعظم (علي محمد)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    مقاربات جميلة تعطي للقارىء تصور مغاير عن حال اخواننا الشيعة، استفدت منها بلا شك، ولكن عندي نقطة واحدة مخالفة هي وجود الحبر الاعظم الشيعي وفق المفاهيم التي اورتها وهو ممثل بنظري بمبدأ ولاية الفقية، الا تعتقد أن الفقية الولي يمثل واضع البابا للشيعة، اليست هذه الحالة الشبيهة بالعصمة تعطية وضع يفوق حتى البابا في الفكر الكاثولوكي، مما يعطي نظرة اخرى أن الفكر الشيعي يحمل في طياته مفاهيم مستنسخة بشكل كثير عن المسيحية الكاثولوكية، مثل الفداء وانتظار عودة المخلص إلى دور رجال الدين وتسلسل درجاتهم وصلوا للبابا المرشد الأعلى للثورة الاسلامية
  • »الخلاصة (طارق عبد المجيد طبلت)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    أعتقد أن الخلاصة التي يريد أن يقولها الكاتبين ( الكاتب الأصلى والكاتب الملخص لماقال الأول) أن الشيعة ليسوا مسلمون لأن تشبيهم باليهود والزرداشت يعني ذلك صراحة
    أنا شخصيا أعتقد أن الشيعة هم مسلمين 100% والمشكلة في الاحتلال الذي فرق بيننا وبين السنة
  • »الشيعة (Ali)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    احب ان اشير الى ان معظم ما ورد في هذه المقاله للاستاذ الغرايبة قد تم نقله حرفيا من مقال لنفس الكاتب في الجزيرة نت بتاريخ 28/2/2008 في عرضه لكتاب صحوة الشيعة ،ما المعنى من هذا التكرار؟ هل عجز الكاتب عن الكتابة بنفس الموضوع بكلمات مختلفه امهو استخفاف بعقول القراء والجزم بعدم اطلاعهم،ارجوا التجديد
  • »هينئا لك بالموضوعي ولي نصر (ابن الديرة)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    شكرا على النسخ لصق يا غرايبة
    كلكم تقتاتون على اللاعلمية وتحرككم سوسة الطائفية التي تريحكم عن عناء البحث الموضوعي والتثبت قبل ان تهرفون
    بما لاتعرفون وتكيلون التهم جزافا
    ما اسهل الحديث حين يكون عن الشيعة انه ممتع لانه مساحة غير محرمة والذي يزيد في الامتاع ان اهل السنة يعانون من عقدة ان عقيدتهم هي الاصل وما سواها هم المبتدعة