المبادرة التشريعية المفقودة للبرلمان

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

الاقتراح الذي تقدم به ثلاثون نائباً لإصدار قانون معدل لقانون الأحزاب (رقم 19 لسنة 2007)، قبل موعد سريانه على الأحزاب القائمة، بقدر ما يتسم به من اهمية بحد ذاته، فإنه يثير مسألة المبادرة التشريعية المفقودة من جانب مجلسي النواب والأعيان. فقد اختار البرلمان أن يخلي الساحة بصورة تقليدية للحكومة لتقديم مشاريع القوانين، وتخلى طوعاً عن ممارسة الحق الذي يعطيه له الدستور لاقتراح قوانين جديدة.

من الواضح أن مجرد وجود نص دستوري يعطي الحق لعشرة أو أكثر، من النواب أو الأعيان، أن يقترحوا القوانين، (بموجب المادة 95/1)، لم يشكل حافزاً كافياً لتنشيط المبادرة التشريعية لكلا المجلسين. فلماذا اكتفى البرلمان بدور المتلقي لمشاريع القوانين من الحكومة، ولم يُظهر قدرات ذاتية ملموسة على اقتراح التشريعات، رغم أن هذه العملية مرتبطة بصلب سلطاته التشريعية، كما أنها احد معايير قياس فعاليته ومدى أدائه لإحدى اهم وظائفه البرلمانية؟!

من المفهوم أن الحكومة، سواء في الأردن أو في غيرها من البلدان، تتمتع بقدرة اكبر على تلمس احتياجات البلاد لتشريعات جديدة أو لتعديل التشريعات القائمة. وقد لعب البرلمان في السنوات السابقة دوراً مهماً في مناقشة مشاريع القوانين وتطويرها، أو في ردها للحكومة لغايات التعديل والتحسين، بل أن الأردن لا يشذ عن الكثير من الدول العربية الأخرى التي تتولى فيها الحكومات وليس البرلمانات زمام المبادرة التشريعية، الا أن الأردن يشذ عن بعض هذه الدول من حيث ندرة، أن لم نقل انعدام، مجرد محاولة التقدم بمقترحات لقوانين جديدة او قوانين معدلة للقوانين القائمة من جانب النواب والأعيان. فهل ستظل المادة 95/ فقرة (1) من الدستور مادة مهجورة من البرلمانيين الأردنيين؟!

قد تكون المبادرة التشريعية للبرلمان متوقعة أساساً من نواب المعارضة او النواب المستقلين عن الحكومة، خاصة اذا ما وُجدت كتلة كبيرة وفاعلة للمعارضة في البرلمان. لكن حتى مع وجود أكثرية من النواب الموالين للحكومة، فإن هذا لا يعني بالضرورة اعفاء هؤلاء لأنفسهم من المبادرة لاقتراح القوانين، بدعوى أن الحكومة تقوم بذلك بصورة روتينية. اذ أن تأييد الحكومة لا يعني بالضرورة ايضاً التطابق معها في رؤيتها للأولويات التشريعية دوماً وأبداً.

لا يتوقع أن تصدر المبادرات التشريعية عن جميع أعضاء البرلمان، إذ غالباً ما تعتمد على جهد نخبة من هؤلاء، تجمع ما بين الكفاءة المهنية والخبرة القانونية والالتزام السياسي. وبطبيعة الحال فإن حجم هذه النخبة وفعاليتها في كل مجلس نيابي يعتمد على النظام الانتخابي والبيئة السياسية السائدة، فإذا كانت مؤاتية يمكن أن يزداد عددها وتتوفر لها الاستجابة اللازمة من بقية الأعضاء. وبالتأكيد فإن النظام الانتخابي الذي أنجب المجالس النيابية الأخيرة كان أبعد ما يكون عن تشجيع المبادرات التشريعية، اذ ايهما أهم لنواب المطالب الجهوية والمحلية، تلبية مطالب ناخبيهم في الدوائر أم تحديث التشريعات واستخدام حقهم في اقتراح القوانين او تعديلها؟!

إن أهمية خطوة النواب الثلاثين، وفي مقدمتهم نواب كتلة جبهة العمل الاسلامي بخصوص تعديل قانون الأحزاب السياسية، تكمن أساساً في أنها تشكل افتراقاً عن تقاليد المعارضة، التي طالما تعاملت مع البرلمان كمنصة للخطابة ولتسجيل المواقف السياسية، اكثر مما تعاملت معه باعتباره اطاراً للمبادرات التشريعية. وتعد هذه خطوة مهمة بالنسبة لفريق واسع من اعضاء مجلس النواب، حيث غادر عدد غير قليل منهم مواقع الانتظار والاعتماد الكلي على الحكومة في مجال تعديل القوانين او اقتراحها، وبادر إلى تقديم اقتراح بقانون معدل فعلاً.

لكن المبادرات التشريعية ليست مطلوبة فقط من أعضاء البرلمان، وإنما ايضاً من منظمات المجتمع المدني ومن الأحزاب السياسية. اذ تقع على عاتقها مسؤوليات كبيرة في تحفيز وكسب تأييد البرلمان وتشجيعه على اتخاذ مبادرات ملموسة في مجال التشريع، بما في ذلك التقدم بمقترحات متكاملة للتشريعات المطلوب تحديثها أو تعديلها.

وتعج تجارب البلدان الأخرى، بما في ذلك عدد من البلدان العربية، بهذا النوع من المبادرات المشتركة التي تجمع منظمات المجتمع المدني والبرلمان وفعاليات اخرى في العمل على وضع مشاريع قوانين الانتخاب وغيرها من القوانين ذات الأهمية السياسية والمجتمعية القصوى.

وعلى الرغم من صعوبة التكهن من الآن بمدى نجاح مقترح النواب الثلاثين لاستصدار قانون معدل لقانون الأحزاب، وفي كسب تأييد بقية أعضاء مجلس النواب لهذا القانون، الا أن هذا لا يقلل من أهمية المبادرة بحد ذاتها، علماً بأن مصير هذه المحاولة يعتمد أيضاً على جهود قادة الأحزاب أنفسهم في الوصول الى النواب وإقناعهم بدعم هذا المقترح التشريعي والاشتراك معهم في تعديله، وأن لا تترك هذه المهمة فقط للنواب الثلاثين.

لقد فوتت الأحزاب فرصة التأثير في مجلس النواب بخصوص قانونها، عندما رفع في مطلع العام الماضي إلى البرلمان، ولم تتحرك الا في اللحظات الأخيرة، وبعدها وقع "الفأس في الرأس" وقام مجلس النواب برفع عدد المؤسسين إلى 500 شخص، وحينها لم تعد تجدي محاولات التأثير في أي من مجلسي النواب أو الأعيان.

فهل تنجح الأحزاب في استدراك ما فاتها؟!

hhourani@ujrc-jordan.org

التعليق