قاموس إسرائيلي عنصري

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

مع اتساع حلقة سفك الدماء تتكشف من جديد العقلية العنصرية التي توجه السياسة العامة في إسرائيل، وتسعى لفرض قاموسها على الشارع الإسرائيلي وحتى على الرأي العام العالمي.

فلإسرائيل قاموس خاص من المصطلحات، في أساسه "استعلائية الشعب اليهودي"، ومكانته "الأرفع" بين شعوب العالم، ليس فيه قتلة ولا إرهابيون، بل هو "الضحية الأبدية"، أينما حلّ على مر العصور.

والى جانب الآلة الإسرائيلية الفتاكة، فإن المؤسسة العسكرية تسعى أيضا إلى فتك الضمير الإنساني ومنعه من رؤية الحقيقة، من خلال أساليب متعددة، من بينها فرض لغة وقاموس مصطلحات عنصري.

فمثلا في اللغة العبرية هناك تسميتان للقتيل: الأولى "نيرتساح" وتعني من تم قتله بشكل متعمد، والثانية "هاروغ" وتنسب لمن قتل (بضم القاف) بشكل غير متعمد، والأولى تطلق على كل قتيل إسرائيلي قتل بنيران فلسطينية، والثانية على كل قتيل فلسطيني قتل بنيران إسرائيلية.

وفي الأيام الأخيرة وصلت هذه القضية إلى مستوى جديد من الحقد والاستعلاء، حينما طلب مسؤول رفيع في جيش الاحتلال من وسائل الإعلام الإسرائيلية عدم استخدام اسم "فلسطيني" للقتلى في قطاع غزة وأن لا تقول الصحافة الإسرائيلية: "قتل الجيش مائة فلسطيني"، بل يجب القول: "قتل الجيش مائة مخرب".

ونسمع المراسلة العسكرية الشهيرة في إسرائيل، كارميلا منشة تقول في تقرير إذاعي: "خلال عملية جباليا، قتل الجيش أكثر من مائة مخرب، (وبصوت خافت تتابع) بينهم عدد من المدنيين"، ونشير هنا إلى أن بين هؤلاء "المخربين" حسب القاموس الاحتلالي، نجد أطفالا رضعا وفتيانا ونساء وشيوخا وشبانا في ربيع العمر.

ولعل عملية القدس الأخيرة أضاءت جانبا آخر من هذا القاموس وهذه العقلية، التي تبرر سفك دماء الفلسطينيين أينما حلوا، ونترك الوقائع التي لا لبس فيها تتحدث وحدها دون حاجة لتعليق.

فمساء يوم الخميس "بكت إسرائيل" قتلاها، في معهد ديني، يعترف الإعلام الإسرائيلي ضمنا، أنه أكبر دفيئة للتطرف والعنصرية، التي تتغلغل بين عصابات المستوطنين، وخرّج في تاريخه أكبر قادة العصابات الاستيطانية ودعاة التحريض، إلا أن أسلوب هذه العملية يعيد للأذهان ثلاث مجازر مشابهة من حيث أسلوب التنفيذ، ارتكبها مستوطنون إرهابيون، وراح ضحيتها عشرات الفلسطينيين.

الأولى وقعت في العام 1990 في منطقة تل أبيب، وراح ضحيتها سبعة عمال فلسطينيين، وعدد من الجرحى، ونفذها الإرهابي عامي بوبر، والثانية، وقعت في شباط (فبراير) من العام 1994 في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل المحتلة، ونفذها الإرهابي باروخ غولدشتاين، وراح ضحيتها 51 فلسطينيا، والثالثة، وقعت في مدينة شفاعمرو، شمال مناطق 1948، في صيف العام 2005، ونفذها الإرهابي نتان زادة، وراح ضحيتها أربعة فلسطينيين، وعدد كبير من الجرحى.

هذا وجه الشبه في الأسلوب، ولكن لنر ماذا كان مصير الأربعة، فمساء الخميس سارع ضابط احتلال لإطلاق النار على الفلسطيني، منفذ عملية القدس، وأرداه قتيلا، ووجه رئيس أركان الجيش في اليوم التالي لذلك الضابط التحية، وعلى ما يبدو ستنتظره شهادات وأوسمة ومكافآت.

وفي المقابل فإن الشرطة الإسرائيلية ما تزال، منذ أكثر من عامين، تلاحق عددا من شبان مدينة شفاعمرو، وتحاول توجيه تهمة القتل المتعمد لهم، لأنهم منعوا منفذ مجزرة شفاعمرو، نتان زادة، من مواصلة مجزرته، ومات في موقع جريمته خلال التدافع والعراك.

أما الإرهابي عامي بوبر فإنه يقضي محكومية 40 عاما على قتل سبعة عمال فلسطينيين، في سجن مفتوح، يمضي فيه أسبوعيا خمس ليال فقط، وفي ساعات النهار يتواجد في معهد ديني، أما نهاية الأسبوع فإنه يمضيها دائما لدى عائلته، وسيفرج عنه خلال سنوات قليلة، إن لم يكن قبل ذلك.

ومصير منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي، باروخ غولدشتاين، ليس بغير حال، فقد تمت تصفيته خلال سير المجزرة، إلا أن جثته تحظى بقبر ونصب تذكاري، ومزار فاخر كبير، في مستوطنة كريات أربع المجاورة لمدينة الخليل المحتلة، وهناك أغان وأشعار تكتب له، ويتم إحياء ذكراه سنويا، تحت حماية وحراسة جنود الاحتلال.

وهذه ليست تفاصيل صغيرة، بل تعكس عقلية تحاول إسرائيل فرضها على الرأي العام العالمي، بزعمها أن كل ما تفعله، هو "محاربة الإرهاب"، وتجند لهذا الغرض كبرى وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية، التي تحبك انباءها بدهاء رهيب، يحارب ويشوه الوعي الإنساني في كل مكان في العالم، من خلال محاولة بائسة لعرض الضحايا كجناة، والجناة كضحايا.

bjaraisi@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الى متى الرهان عل سلام مع دولة كهذه (احمد سيدي)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    هذه هي العقلية الصهيونية، وعقلية كهذه لا يمكن ان تسعى لسلام حقيقي
  • »الكيان الاسرائيلي عنصري نموذجي (ايمن)

    الاثنين 10 آذار / مارس 2008.
    يقدم لنا الكاتب نماذج جديدة للعنصرية الاسرائيلية، ولكن الى متى يستمر تجاهل العالم لهذا الكيان الاجرامي