محمد برهومة

"الحياة المفتوحة".. ودحر الاحتلال

تم نشره في الاثنين 10 آذار / مارس 2008. 02:00 صباحاً

هناك مشاريع عدة تتصارع وتتنافس في منطقتنا، فثمة مشروع أميركي وإسرائيلي وآخر إيراني، وعلى نحو محدود مشروع تركي بدأ يرتب أوراقه ويحدد أولوياته، وإن في إطار ضيق حاليا. وأمام هذه المشاريع نلحظ غيابا لمشروع عربي متماسك يمتلك رؤية استراتيجية واضحة تنافس المشاريع القائمة. فالفعل العربي يكاد، في ظل ضعفه وارتباكه وتشتته، يقتصر على "الرغبة!!" في إدارة أزمات المنطقة وإطفاء حرائقها، وما زال من المشكوك فيه أنه ينجح حتى في هذه المهمة!.

والانقسام العربي يعدّ عاملا من العوامل التي تقف عقبة أمام قيام مشروع عربي متماسك لمعالجة أزمات المنطقة، كما أن التوزع العربي، الذي يُختزل بشكل مخلّ، بين "معتدلين" و"ممانعين" يقدّم من خلال انجذاب المعسكر الأول للمشروع الأميركي بدرجة من الدرجات، وانجذاب المعسكر الثاني في سياق معين للمشروع الإيراني.. يقدم عائقا آخر يحول دون قيام مشروع عربي يمتلك أدوات فاعلة في التعاطي باقتدار وكفاءة مع ملفات المنطقة المشتعلة من فلسطين إلى العراق إلى لبنان فالصومال فدارفور...

ومشروع "الرغبة في إطفاء الحرائق وإدارة الأزمات" الذي يتبناه العرب، يعطي مزيدا من عناصر ضعفه وارتباكه، باقتصاره، غالبا، على مناشدة أصحاب المشاريع الأخرى بأن يكفّوا شرّهم عن المنطقة العربية، أو يسعوا إلى حل معضلاتها، وتقديم النوايا والأفعال الحسنة من أجل معالجة أزماتها. فالعرب يطلبون من أميركا أن تكون أكثر عدلا وأن تكون وسيطا نزيها، ويطالبون إسرائيل بالكفّ عن احتلالها وجرائمها واستيطانها، ويرجون من تركيا ألا تهدد سيادة العراق ووحدته، ويحثون إيران على ألا تتدخل في شؤون المنطقة، وألا تمدد نفوذها وتدعم حلفاءها في العراق ولبنان وفلسطين..

والحقيقة أن السياسة لا تُبنى بالتمنيات، وأصحاب المشاريع لا ينصاعون لنا بمجرد مناشدتهم أو محادثتهم عن عدالة مطالبنا وقضايانا. وإذا كان المشروع العربي، الذي نرجوه ونتحدث عن ضرورة قيامه وتبلوره، ينبغي أن يقوم على دعائم التنمية، وترسيخ الحياة الكريمة للناس، ونشر الديمقراطية والإصلاح السياسي والمشاركة الشعبية ومشاركة المرأة في الحياة العامة.. فإن النظام العربي ما زال مترددا، بدرجات متفاوتة، في تبني هذه الدعائم أو على الأقل الإسراع ما أمكن في تبنيها. هذا المشروع هو خير ضمانة لتحصين دولنا ومجتمعاتنا ضد أي مشاريع هيمنة أو تفكيك، بل هو خير ردّ عليها.

 وليست المشاريع التي تتنازع منطقتنا، وتنحاز إليها فئات من نخبنا السياسية أو شرائح شعبية لا تجد من يمثلها أو يدافع عن قضاياها أو يحلّ أزماتها .. ليست هذه المشاريع خالصة من الإشكالات والنواقص البنيوية والعثرات وعناصر الفشل والإخفاق، لكنها تفعل فعلها هنا وهناك في أرجاء المنطقة، بسبب الفراغ الناجم عن غياب أو انكفاء مشاريعنا البديلة.

وإذا كانت القضية الفلسطينية، بوصفها القضية العربية المركزية، قد استخدمت لعقود ذريعة من الأنظمة العربية لـ"تعطيل" الحياة السياسية والديمقراطية ومشاريع التنمية والتوزيع العادل للثروة، فإن الوعي الذي استقر بعد هذه العقود من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولأراض عربية أخرى، يقوم على أن هذا "التعطيل" كان عاملا أساسيا في تكريس الاحتلال الإسرائيلي، وأن وقف هذا التعطيل سيسهم بدرجة فعالة في حل القضية الفلسطينية بشكل عادل، وسيساعد على دحر الاحتلال بتأثير لا يقل عن تأثير المقاومة الناضجة والمشروعة وعن تأثير التفاوض، كوسائل لانتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية.

ليست مواجهة الهيمنة أو مقاومة الاحتلال مطالب غير عقلانية، أو تجنح إلى التطرف، لكن السؤال: كيف نواجه هذه الهيمنة وذاك الاحتلال؟. والجواب الذي من المفترض أن يقدمه المشروع العربي ـ الذي نتحدث عن ضرورة قيامه كبديل استراتيجي لحل أزماتنا ـ يتلخص في أن خير وسيلة لمواجهة الاحتلال والهيمنة هو بناء الذات وحكم المؤسسات وسيادة القانون واحترام الحريات العامة والخاصة وتعزيز الصمود في وجه الاحتلال ومكافحة الفقر ومحاربة الفساد. ولنكن صرحاء أن غياب هذه الأسس عن مجتمعاتنا تنسب مسؤوليته بالدرجة الأولى إلى سياساتنا وأساليب تفكيرنا وإدارتنا لواقعنا.

إن تبني المشروع العربي، الذي ندعو لقيامه سريعا، للتنمية والديمقراطية والحريات طريقا لمواجهة الهيمنة والاحتلال وحلّ معوّقات نهضتنا، من شأنه أن يردّ على من باتوا يسمحون لأنفسهم بالحديث باسم شعوب المنطقة، وبأنهم رأس حربة في مواجهة الهيمنة والاحتلال، والمشروع العربي المأمول قيامه يردّ على منطق "الموت في سبيل الله" بمنطق "العيش في سبيل الله"، ويردّ على منطق "الحرب المفتوحة" بمنطق "الحياة المفتوحة"، ويرد على منطق تقديس التضحية وعبادة الشهادة كهدف لذاتها بتقديس الحياة، واعتبار "الشهادة" وسيلة من أجل حياة أفضل.

إن خير وسيلة لمواجهة الاحتلال والهيمنة هو بناء الذات وبلورة مشروع وطني جامع وموحد، وإشاعة ثقافة الصمود القائمة على التفاؤل بالمستقبل والحياة، وعدم حصر المقاومة بالعمليات الفدائية أو إطلاق الصواريخ، وتقدير التضحيات بمستوى ما تحققه من نتائج سياسية  والموازنة بين المكاسب والخسائر. والوطنية ليست شعارا يرفع بل برنامج يستهدف حياة اقتصادية واجتماعية أفضل وانتشارا للتعليم واحتراما للحريات.. وهذا البرنامج من أكثر وسائل المقاومة نجاعة في الكفاح ضد الاحتلال والهيمنة.

وعلى صعيد آخر، فإن الغياب العربي في العراق ينبغي أن يتوقف، والحجج التي سيقت منذ خمس سنوات لتسويغ هذا الغياب لم تفلح في تحقيق نتائج إيجابية للجانب العربي، ولم تمنع تنامي النفوذ الإيراني، ولم تسهم في تمتين النسيج الوطني العراقي والحيلولة دون تفكك الدولة هناك.

إذا أردنا إنقاذ مستقبلنا، فلنقدم مشروعنا وبديلنا، ولنكن على استعداد لتقديم التضحيات، لكنها ليست عبثية، بل ستكون عنصرا أساسيا في النجاح وصيانة الحياة، وإلا فإن الشعارات البرّاقة ستبقى تجتذب قطاعات واسعة من شعوب المنطقة، وسيكون الموت بديلا كفاحيا لمن فقد معنى الحياة، ولمن سُرقت حقوقه وأحلامه!!

 كاتب أردني مقيم في الإمارات

moweanla@yahoo.com

التعليق