بطولة أبو مازن الصامتة

تم نشره في الأحد 9 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

استغل المناوئون لنهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس التفاوضي، إدانته العملية التي نفذها فلسطيني في مدرسة دينية يهودية بالقدس الغربية، أبشع استغلال، إذ وظّفوها أداة للتشهير به، ووسمه بعدم الإخلاص الوطني، مستفيدين من الأجواء التي أحاطت بكلٍ من العملية والإدانة، فالعملية مثّلت اختراقاً نوعياً وسط حالة العدوان الإسرائيلي الهمجي والبربري على غزة، والإدانة أُعلنت سريعاً قبل ساعات من إخفاق مجلس الأمن الدولي في إصدار إدانة مماثلة باسم"المجتمع الدولي".

وهكذا، فبينما قرأ خصوم عباس اللحظة قراءة جيدة، واستفادوا مما فيها، فإن محمود عباس أخفق في قراءتها، وأعلن موقفاً متسرعاً، فبدا مفصولاً عن هموم شعبه، رغم أنه في الحقيقة ليس كذلك، إذ من المؤكد أنه اعتبر الإدانة حلقة في سلسلة مساعيه السياسية لتخليص شعبه من الاحتلال.

تفتح هذه الحالة، الباب لمراجعة مجمل الاستراتيجية السياسية للسلطة الفلسطينية، وللرئيس محمود عباس بشكل خاص. ففي هذا السياق، قد يكون ممكناً القول إن ياسر عرفات لو كان حيّاً، ما كان ليتخذ مثل هذا الموقف السياسي المفضوح، في مثل تلك اللحظة الصعبة على الفلسطينيين في غزة. فالفارق بين عرفات وعباس، ورغم أن خطهما السياسي في إدراة السلطة الفلسطينية واحد تقريباً، هو أن عرفات أظهر النهج التفاوضي باعتباره عملاً وطنياً يُحمد عليه، ذا مرجعية شعبية أولاً وأخيراً، بينما أن سلوك محمود عباس، يُظهر العملية التفاوضية باعتبارها عملية تنازلية مرجعيتها إرضاء "الحلفاء" الدوليين، والأميركيين خصوصاً، من دون اعتبار لرضى الشعب الفلسطيني من عدمه.

ولهذا، بدا واضحاً أن محمود عباس، في إدانته لعملية المدرسة الدينية في القدس الغربية، كان حريصاً على "مصداقيته" السلمية لدى الراعي الأميركي، أكثر من حرصه على مصداقيته الوطنية لدى شعبه الذي يتفاوض لأجله، ما يشي بمجمل الاستراتيجية التي يبني عليها عباس خطه السياسي: فهو يعتبر أن نجاح هدفه السياسي في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، مرهون بقبول الخصم الإسرائيلي والراعي الأميركي، فقط، أياً كانت الصورة التي يظهر بها لدى شعبه الفلسطيني، فليس من الضروري أن يظهر بصورة البطل حتى وإن كان يقوم بعمل سياسي بطولي.

محمود عباس يقبل، إذاً، أن يُضحي بسمعته السياسية، من أجل خدمة مشروعه الوطني الذي لا يفهمه معظم شعبه، المأخوذ بالعاطفة والصوت العالي. وهذه بذاتها بطولة تُسجل له. لكن ما يجري في الواقع أن عباس يفقد كثيراً من سمعته كمناضل وطني، في الوقت الذي لا يتقدم فيه مشروعه السياسي قيد أنملة، ما يعني أن بطولة عباس الصامتة، مثلها مثل البطولات المعلنة، ومثل المواقف السياسية الثورية، والعنتريات الزائفة، لا تُقدم ولا تؤخر في خدمة المشروع الوطني الفلسطيني الطامح للتحرر من الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة.

في حالة كهذه، يكون هذا النهج التي يتخذه عباس،مسيئاً له، وغير مفيد لمشروعه الوطني، في آن، ما يعني أن ما يخسره على صعيد سمعته الوطنية ونظرة الفلسطينيين لجدوى التفاوض السياسي، لا يخدم شعبه في شيء، بل على العكس فهو يضرّه حين يؤدي بهذا الشعب إلى فقدان الثقة برئيسه المنتخب وبمشروعه، والبحث عن منقذ ومخلّص غالباً ما يكون ممن يحققون قفزات إعلامية مؤقتة أمام الرأي العام، وذلك على حساب المخلصين الصامتين الذين يفهمون اللعبة السياسية ويدركون آفاق المشروع الوطني الفلسطيني وفرصه، من أمثال محمود عباس.

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحق (احمد)

    الأحد 9 آذار / مارس 2008.
    كلام في جانب كبير من الصحة. اشكر الكاتب على شجاعته في زمان اصبح فيه الشجاع والوطني هو من يشتم ويخون ويكفر.
    جزاك الله خير