ضربة جديدة للديمقراطية

تم نشره في السبت 8 آذار / مارس 2008. 03:00 صباحاً

انتخابات مجلس شورى الاخوان المسلمين، التي وصفت بالتاريخية، كانت لها انعكاسات كبيرة وسلبية على المشروع الديمقراطي الاردني المتعثر اصلا، لان اي نتيجة اقل من فوز مقدر للتيار المعتدل داخل الحركة ما كانت لتكفي لراحة اطراف المعادلة المقررة للتنمية السياسية لتحفزها بالتالي على تبني خطوات اقدامية وجريئة.

الانتخابات، وبالنتيجة التي آلت اليها، أبقت على التوجسات بشأن العلاقة المتخبطة بين الحركة الاسلامية والدولة وبشأن معادلة القرب من حماس ما يرشح المشهد لمزيد من التعثر.

الحكومة، على الارجح، ستستمر بعزل ومقاطعة الحركة الاسلامية وهي الآن تستند لنتيجة الانتخابات التي تعزز قناعتها بأنّ الحركة الاسلامية لم ترتق بعد في خطابها السياسي لمستوى النضج الذي يسمح بالتعامل معها، بل ما تزال تتبنى مواقف سياسية غاية في الخطورة الامنية والسياسية، بخاصة فيما يخص مسألة قربها من حماس.

الدولة تستطيع ان تبرر الآن بأنّ تحولها الاستراتيجي، في التعامل مع الحركة الاسلامية، كان في محله في اعقاب وجود تيار مؤثر ونافذ على العلاقة يتجاوز "العاطفية" إلى التنسيق وربما الالتزام مع المكتب السياسي لحركة حماس. وهذا يرتب مزيدا من التعثر والجمود لجهود دفع المشروع الديمقراطي الذي تضرر كثيرا في اعقاب سيطرة حماس على غزة.

ليس فقط الدولة باتت تمتلك أسباب التوجس من اكبر القوى السياسية المحزبة بالبلد، بل ان القوى الديمقراطية الاخرى، وعلى اختلاف انواعها، باتت متخوفة الان بعد النتيجة التي آلت إليها انتخابات مجلس الشورى. وقد بات من حق هذه القوى ان تتساءل عن مصداقية الطرح الديمقراطي لتيار الاسلام السياسي؛ فيما اذا كان يؤمن بالفعل بالتعددية مبدأ ومنهجا. واذا كان الامر كذلك فلماذا كل هذا التعاطف والتناغم مع سلوك حماس غير الديمقراطي ولماذا كل هذا الدعم لحماة هذا التوجه بين صفوف الإسلاميين الاردنيين الذين لم يلتزموا بواجبهم الحزبي في دعم مرشحي الحركة في الانتخابات البرلمانية.

القوى الديمقراطية المساندة والمتعاطفة مع الاخوان وحزب جبهة العمل يتملكها توجس حقيقي من أن ديمقراطية المرة الواحدة قد لا تكون قصة ابتدعها أعداء الديمقراطية، بل اولئك الذين يخافون عليها من توغلات ايديولوجية تمتطي كل المبادئ خدمة لاهدافها ورؤاها الانتهازية.

الانتخابات الاخيرة تشير أن العناد والرغبة في السيطرة والتصعيد هي السمة المسيطرة على اكبر الحركات السياسية في الاردن لا المرونة والتحاور وقبول الآخر.

ما يزيد من صدقية التشكيك بالفحوى الديمقراطية للحركة الاسلامية في الاردن نفورها وعدم قدرتها على تقبل الآراء المنتقدة لها، إذ سرعان ما يتم توظيف منطق الاتهام والتشكيك والشخصانية للرد على من ينتقدهم وكأنهم معصومون عن الخطأ.

ولا يدري هؤلاء "رافضو النقد" اننا كنا نعوّل كثيرا على فهمهم وانسجامهم مع المشروع الديمقراطي وان يتحركوا ضمن مظلته وحدوده، لان هذا كان سيكون القوة الدافعة الاكبر لتقدم هذا المشروع بخطى حقيقية. أما وقد اختار الإسلاميون التحدي والتصعيد وتبني انماط سلوك اقليمي مقلقة جدا لاي حكومة، فعلى الاقل مزيد من الانصات لبعض الآراء النقدية التي عانى الاسلاميون انفسهم من انعدامها في السابق، عندما لم يكن يسمح لهم بالنقد.

نجد حرجا ونحن ننتقد قوى سياسية يُفترض بها ان تكون مطالبة بالديمقراطية، ولكننا نراقب وبتخوف شديد هذه النزعة السياسية المضادة للديمقراطية والراغبة بالتحدي والادلجة الرافضة لقبول الرأي الآخر، بل ويستفزها هذا الرأي ويستشيط غضبها، ونعتقد ان هذه النزعة هي الاخطر على المشروع التنموي السياسي وتؤلب أشد مناصري هذا المشروع ليصبحوا اعداء له.     

الجيد الوحيد الذي قد يترتب على ما آلت اليه انتخابات مجلس شورى الاخوان المسلمين وما ترتب على ذلك من تزايد لحالة التوجس وانعدام الثقة بين الاسلاميين والتيارات السياسية الاخرى على مستوى النخبة والافراد، هو ان الفرصة باتت سانحة الآن لتيارات سياسية اخرى كي تنمو وتحصد تأييدا شعبيا لطالما سيطر عليه الاسلاميون. واذا كان لنا ان نزجي نصيحة فعلى هذه التيارات الراغبة في الصعود أن تتجنب ما وقعت فيه التيارات السياسية بدءاً باليسارية والقومية في الخمسينيات وصولا للتيار الاسلامي مؤخرا. لذا فهي معنية ان تؤدي دورها بطريقة ديمقراطية وان تجذر أبجديات الديمقراطية، ثقافةً تنظيميةً تتعايش مع الاخر، بل وتنظر لوجوده كقيمة لا كتهديد.

التيارات الصاعدة عليها ألا تستعدي الدولة القادرة على إنهاكها، وانما ان توصل الدولة لدرجة من الارتياح والتقبل لوجودها، وان تجعلها في وضع استجابة واستماع لاقتراحاتها وملاحظاتها.       

Mohamed.momani@alghad.jo

التعليق