محمد برهومة

فيدل كاسترو..ومأزق النموذج الكوبي

تم نشره في الاثنين 25 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

قبل أيام قرر الزعيم الكوبي، فيدل كاسترو(81 عاما) الاستقالة من منصبه كرئيس لكوبا وكرئيس لأركان جيشها. كاسترو استند إلى شرعيته في الحكم إلى شخصيته الكاريزمية التي استمدها من قيادته للثورة الكوبية عام 1959، والتي(أي الكاريزما) أبقته في الحكم نحو خمسة عقود، تعرّض خلالها لنحو600 محاولة اغتيال. ولا يتحلى خليفته وشقيقه راؤول بالكاريزما ذاتها التي تمتع بها كاسترو الخطيب المفوه ذو الصوت الجهوري، والمتحدي "التاريخي" لأميركا، والذي ارتبط اسم بلاده به حدّ التماهي، فكان كاسترو وكوبا طيلة نصف قرن وجهين لعملة واحدة. ولا شك أن هذا يحمل في ثناياه شمولية بائسة، وقبضة حديدية في إدارة البلاد، وتضييقا على الحريات، الأمر الذي أحال جزيرة قصب السكر والسيجار الأشهر في العالم، إلى بلد منهك اقتصاديا ويعاني جمودا سياسيا وعزلة عالمية، فاقمها، إلى جانب حكم الفرد والحزب الواحد، حصار أميركي ابتدأ تقريبا منذ بدايات حكم كاسترو، وقد وصفه تشومسكي بأنه "أطول حصار يطبق ضد شعب في العالم المعاصر".

وإذا كان من غير الممكن حتى اللحظة الجزم المؤكد بأن راؤول، الذي يتولى القيادة بالوكالة منذ تموز(يوليو)2006، لن يسير على خطى كاسترو، فإن احتمالات أن يبدأ مرحلة مختلفة تبدو متوافرة، فقد صرح بأنه ينوي تخفيف قبضة الدولة على الاقتصاد والسماح للكوبيين بإدارة مشاريع خاصة بهم، ولا يمانع في توسيع دائرة الاستثمارات الأجنبية في بلاده، وهو من المعجبين بالنموذج الصيني(رأسمالية تديرها الدولة) الذي فتح المجال واسعا للقطاع الخاص إلى جانب القطاع العام، ونجح في تحقيق معدلات تنموية مرتفعة ولافتة. راؤول أكثر براغماتية من فيدل وأقرب إلى إحداث خطوات انفتاحية على الخارج، وقد أعلن بأن الخلافات بين أميركا وكوبا يجب أن تحل على طاولة المفاوضات، في المقابل، قال الرئيس الأميركي، جورج بوش، إن هناك مناخا مختلفا يسود حاليا هافانا، وثمة احتمالات للتوصل إلى تصالح مع كوبا بعد كاسترو شريطة البدء بالقيام بتحولات ديمقراطية حقيقية وبالإفراج عن المعتقلين السياسيين. كما جدد الاتحاد الأوروبي عرضه بإقامة "حوار سياسي بناء" مع هافانا لدعم "الديمقراطية التعددية" فيها.

راؤول في غياب الكاريزما، قد يستند في شرعيته كرئيس، عوضا عن الانتخاب، إلى "شرعية الإنجازات" التي تتمثل في كسر الجمود السياسي في بلاده وتوسيع هوامش الحريات والإعلام، وكذلك البدء بإنجاز تنمية تنعش الاقتصاد الكوبي، وقد يسهم زوال الحصار الأميركي على كوبا في انتقال الأخيرة إلى بلد مختلف أشد الاختلاف عن أن يكون اشتراكيا. وإذا صحّ هذا السيناريو فليس مستحيلا أن تكون كوبا خلال عقد أو عقدين مثلا مشابها لدول أوروبا الشرقية وتلتحق بالاتحاد الأوروبي!! بل إن مجيء إدارة جديدة في الولايات المتحدة قد يفتح آفاقا أوسع للتغيير فيما يتعلق بعلاقة هافانا بواشنطن، لاسيما إذا استرجعنا أن الجالية الكوبية في أميركا تصوّت تاريخيا للجمهوريين، واحتمالات فوز الديمقراطي باراك أوباما مثلا قد تفتح نافذة للمصالحة لمن يرون أن حدوثها لن يأخذ سنوات طويلة. وبالطبع فإن فوز الجمهوري جون ماكين بالرئاسة سيجعل، ربما، هذا التفاؤل في غير محله، فهجومه على كاسترو ونظامه ذائع ولاذع.

كوبا اليوم لا تمثل في الحقيقة تهديدا أمنيا للولايات المتحدة، وهذا مرتبط أساسا بانهيار المعسكر الشيوعي، كما أن احتمالات تشدد راؤول تجاه الغرب واستمرار سياسة الحكم الشمولي، لا تعدم آفاقا أخرى لتغيير تاريخي قد ينشأ في هذه الجزيرة، فراؤول بلغ السادسة والسبعين، وثمة حديث عن مرضه، ما يعني أن فترة حكمه ستكون انتقالية، وهناك جيل جديد في كوبا منفتح على الغرب و"الإعلام الجديد" مثل الإنترنت والموبايل والرسائل النصية وكذلك الفضائيات الأجنبية، وهذا الجيل في معظمه ولد بعد الثورة الكوبية، وتعاطى معها كواقع، وربما يجعل انتشاره وتغلغله في مؤسسات الدولة، خلال السنوات المقبلة، وتنفيذ أفكاره الأقرب إلى الليبرالية، هذه الثورة أمرا تاريخيا.

يُحسب لفيدل كاسترو، الذي يعد أحد أهم الزعماء التاريخيين في العالم خلال نصف القرن المنصرم، أنه وضع كوبا على الخريطة فأخذت بلاده شهرتها منه، كما أصبحت كوبا نموذجا إيجابيا في أميركا اللاتينية في التعليم المجاني والغياب شبه التام للأمية، كما يُحسب له أنظمة الرعاية الصحية لا سيما في مجال رعاية الأطفال، حيث انخفضت معدلات وفيات الأطفال إلى ما يقارب مثيلاتها في الدول الغربية. لكن حكم الفرد وتهميش الحريات وممارسة القمع، وغياب الإصلاحات السياسية والاقتصادية، لم يجعل كوبا ـ فيدل كاسترو المناهضة الأولى للإمبريالية، تقدم نموذجا يحتذى في التنمية أو الحكم الرشيد، وإشاعة الحريات، وهذا أساس مأزق النموذج الكوبي، وضآلة جاذبيته!!  

كاتب أردني مقيم في الإمارات

moweanla@yahoo.com

التعليق