جميل النمري

هذا أو انهيار القطاع الصحيّ العام؟!

تم نشره في الأحد 24 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

أتعجب كثيراً من وزراء الصحّة المتعاقبين في تخاذلهم عن الحلّ الوحيد لإنقاذ التأمين الصحّي العام. قد لا يكون القرار شعبيا، لكنه الوحيد الذي ينقذ الخدمات الصحيّة من الانهيار تحت وطأة التوسع المطرد للمشمولين بالتأمين الصحّي مع استمرار الهدر والترهل ونقص التمويل.

الخدمات الصحيّة الحكومية تشمل المزيد من شرائح المواطنين عبر مكرمات ملكية كريمة أو خطط حكومية. فالتأمين الصحّي الآن يشمل جميع المواطنين فوق سنّ الستين، وكل الأطفال تحت سنّ السادسة، وهناك بعض الأمراض علاجها مجّانا للجميع وغير ذلك، يمكن الحصول بكل سهولة على اعفاء من الديوان الملكي العامر.

وقد وقّعت وزارة الصحّة مع الضمان الاجتماعي اتفاقية لشمول موظفي الدولة المتقاعدين على حساب الضمان الاجتماعي بالتأمين الصحّي بتحويل اقتطاع من رواتبهم، كما هي حال بقية الموظفين. وهناك مشروع شمول التأمين الصحّي باشتراك اختياري لبقية متقاعدي الضمان، والعمل جار على صندوق التأمين الصحّي العام (كان مطروحا تحت اسم المؤسسة العلاجية) وقريبا فإن كل مواطن بلا استثناء لا يغطيه تأمين في القطاع الخاص يستطيع الحصول على اشتراك في التأمين الصحّي العام. وعلى كل حال فالأكثر فقرا يحصل على علاج مجّاني وغيره يدفع مبلغا متواضعا للعلاج قياسا بالقطاع الخاص، لكن الثمن الباهظ الآن أن البنية التحتية وخصوصا في المستشفيات تنوء بهذا الحمل الثقيل الذي يمتد الى الخدمات الطبّية الملكية.

نستطيع أن نفاخر بهذا التأمين الصحّي الواسع، لكن نوعية الخدمة تتردّى وأحيانا يحتاج المريض أشهرا لموعد مع الاختصّاصي أو لحجز سرير أو عملية جراحية. أمّا الأدوية فحدّث عن الهدر بلا حساب، فيما الأدوية غالية الثمن تختفي عن الأرفف بعد يومين، ويحصل عليها أولا أصحاب النفوذ والواسطة، بل بعضها يشترى من القطاع الخاص، على حساب التأمين الصحّي. وفي هذا الشأن الأخير هل يعقل أن يدفع المراجع "ربع ليرة" من أجل " ريفانين" ونفس "المقطوعية "من أجل دواء ثمنه مائة دينار؟!

منذ سنوات ونحن نقترح استيفاء نسبة عشرة بالمائة من قيمة العلاج من المريض لتنظيم وترشيد الخدمة الصحيّة وصرف الدواء. وهذا المبلغ يمكن أن يخصص كحوافز للأطباء الذين يقومون بالخدمة، لأن الحوافز الحالية هي زيادة تحسين رواتب متساوية للأطباء جميعا بالتساوي وفق درجاتهم. فكل طبيب عام يحصل على نفس "الحافز" أكان مجازا أم على رأس عمله، وفيما إذا رأى مريضا واحدا في اليوم أو مائة مريض، وكذلك كل اختصّاصي أو جرّاح يحصل على نفس الحافز، أكان يقوم بعشرة عمليات في اليوم أو عملية واحدة في الشهر.

هذا الوضع يجب أن يتغيّر. يجب فرض نسبة معينة، مهما كانت، يدفعها المريض من قيمة الكشفية ومن قيمة الدواء ومن قيمة الاقامة في المستشفى والخدمات والعمليات، ومن هو عاجز عن الدفع تماما يعود الدفع على جهة معينة، مثل التنمية الاجتماعية أو غيرها من الصناديق. ويمكن على كل حال وضع سقف لهذه النسبة، فبعض العمليات تكلف عشرات آلاف الدنانير، وقد يكفي وضع سقف يراوح بين مائة وخمسمائة دينار مهما بلغت كلفة العلاج.

لو كانت المراكز الصحيّة، مثلا، تتقاضى نسبة من القيمة السوقية للدواء فلن يحدث الهدر والتوزيع بلا حساب، ومسؤول الصيدلية في المركز أو المستشفى لن يتهاون فهو سيحاسب على نسبة يجب توريدها من قيمة الدواء.

سنجد احتجاجات كثيرة، لكن هذا الاقتراح هو لمصلحة المواطنين عموما لأنه يحسّن الخدمة الطبّية وسوف تتحسن بصورة مذهلة، لو أن هذه النسبة على الخدمة ذهبت لمن يقدمون الخدمة فعلا، سوف يتغيّر سلوك الطبيب الذي يتثاقل عن العمل ويترك المرضى ينتظرون ساعة على بابه فيما هو يتحدّث مع صديق تاركا العبء على زملاء له أكثر اخلاصا وانسانية في العمل!

لا حاجة للدخول أكثر في تفاصيل يعرفها العاملون في القطاع الصحّي العام، ويعرفها وزراء الصحّة الذين يحبّون ترك بصماتهم الجيدة على القطاع، لكنهم يخشون على الارجح احتراق اصابعهم بمثل هذه الاقتراحات فيفضلون طريق السلامة لأنفسهم، وهي ليست أبدا طريق السلامة للخدمات الصحيّة.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رجاءا ... اجعلوا المواطن البسيط المصدر الأخير للتمويل (مواطن)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    أنا لا أظن أن الكاتب المحترم فكر بالحل الذي اقترحه, فاعطاء عمولة للطبيب سيجعل الطبيب صاحب مصلحة بصرف علاجات لا داعي لها, و يبدوا أن الكاتب المحترم لا يراجع المراكز الصحية ليدرك مدى فقر المراجعين فيقترح تحميلهم نسبة من ثمن العلاج. ان الدولة تأخذ ضرائب لتقدم خدمات, و دولتنا تأخذ ضرائب كثيرة و اذا قسنا نسبة الضرائب الى نسبة الدخل, فيجب علينا توقع خدمة تضاهى سويسرا. يجب على الحكومة و الدولة كاملة التفكير بحل جذري حقيقي لا يعتمد على المواطن ولكن يعتمد على الوطن و المؤسسات الوطنية الربحية المملوكة من الدولة (أرباح طيران الامارات مليار دولار السنة الماضية لماذا ليس لدينا مؤسسات حكومية رابحة) و يكفي بعض القرارت البسيطة كزيادة نسبة الضريبة على أرباح البنوك المحلية لحل معظم المشاكل بدلا من استهداف جيب المواطن البسيط. ولكن لأصحاب البنوك و المنتفعين أقلام تحميهم ولنا الله و كفى بالله وكيلا.
    وأرجو أن لا يصبح الكاتب الكريم من أصحاب الأفكار الثمينة من نظر الحكومة التي يصبح من بعدها كاتبا يستحق التكريم لاقتراحاته الذكية التي تبرراستهداف المواطن الذي يقف على الصف خمس ساعات لتوفير دينارين ثمن دواء السكري بدلا من استهداف أصحاب الملايين الذين لا يدركون مفهوم الدور الا عندما يسحبون ملايينهم من البنوك ليتهربوا من الضرائب أو يستثمروا ملايينهم في الخارج.
  • »مجانا (د.عمر)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    للاسف أقول أن التأمين الطبي في الصحة غير مجدي وسيء جدا ومستغل من الناس بطريقة سوقية والواسطة تلعب الدور الاكبر في الحصول على العلاج والرؤية من قبل الاختصاصي الذي هو بين نارين وهما كثرة المرضى وقلة الدخل لذلك تجد عدم الاهتمام عند بعض الاطباء والاستغلال عند البعض الاخر.وتجربة إعطاء علاج مجاني للمرضى أدت إلى إثقال مديونيات المستشفيات خاصة أن الناس رأو فيهل فرص لما أسميه التبضع الطبي.أقترح إنشاء هيئة عامة للتامين الصحي لا تتبع لوزارة الصحة و السماح للكل العلاج في أي مكان يقبل من قبل هذة الهيئة الطبية مقابل نسبة تحمل 20-30 في المئة على المريض وشكرا.
  • »حل جيد ولكن (ودود)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    أتوقع أن الحل الذي تقدمت به ممتاز وواقعي وعملي وبالرغم من كونه يثقل كاهن المواطن الا أن على الحكومة أن تتعهد أن يتم انفاق هذه المبالغ في مواضعها بدون السماح للاشاعات كما هو الحال بالنسبة لسعر النفط والذي ثارت الاشاعات بوقته بأن الحكومة تأخذ النفط بسعر تفضيلي اضافة الى حجم زيادة النفقات في الموازنة
  • »كلام معقول (احمد)

    الأحد 24 شباط / فبراير 2008.
    انا اعمل في دبي وعندى تامين صحي ولكن بسبب انة يتم دفع 10 دنانير تقريباٍ عند كل زيارة لا اذهب الا عند الضرورة بينما لو كان مجاناٍفسوف اذهب كل يوم وعلى اتفة الاشياء