ومن الزوابع ما يخفي الحقائق

تم نشره في الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

من اطيب واعمق الكلمات التي قرأتها حين دخلت دار "الغد" قبل حوالي العشرة اسابيع ما ورد في رسالة تهنئة بعث لي بها الاستاذ سالم الفلاحات، المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين في الاردن. "ابارك لك، ولجريدة "الغد" مسؤوليتك الجديدة، متمنيا لك التوفيق والسداد"، قال الاستاذ الفلاحات في رسالته، مضيفا: "أحييك صاحب رسالة ومنهج وموقف. جئت في الوقت الاصعب والادق، يشهد لمهنيتك كل من عرفك ونحن منهم، نتمنى لك عملا موفقا ولـ"الغد" مسيرة وطنية ناجحة في زمن عزت فيه الكلمة الصادقة المسؤولة".

الاستاذ الفلاحات انهى بالقول: "سعادة الاستاذ جورج، نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

استذكرت الرسالة والكلمات التي وردت فيها، ولا اقول تذكرتها، لأنني لم انسها اصلا، مع انه لم يتسن لي بدواعي ضغط العمل طوال الشهرين والنصف الماضية ان ارد شخصياً على كل من كتب لي مهنئا بالوظيفة الجديدة، وكنت بالطبع سأقوم بذلك حتى ولو كان الوقت متأخراً.... واستذكرت الرسالة ثانيا، لأن فيها ما فتح عيني على تفاعلات تطور له علاقة بإخواننا الاسلاميين حدث معنا خلال الاسبوع الماضي.

الحدث تمركز حول استيلاء حماس لشحنة مساعدات كان الاردن ارسلها لأهلنا في غزة لمساعدتهم على مواجهة الظروف الصعبة التي كانوا يعيشونها جراء الحصار الظالم الذي تفرضه اسرائيل عليهم والهجمات اللاإنسانية التي تشنها قوات الاحتلال على اهداف في القطاع بصورة شبه يومية.

كنت في عطلة شبه نادرة عندما وقع الحدث، وأفقت مثل كل قراء "الغد" صباح اليوم التالي لأجد تحليلا اخباريا قاسيا ضد تصرف حماس باسم "المحرر السياسي".

كان المطلوب تحليلا سياسيا حول ما قامت به حركة حماس يتحدث عن المساعدات الاردنية بحد ذاتها واين تذهب ومن يقوم بتسلمها في مدينة محاصرة تحكمها اجهزة وقوات انقلبت على السلطة الوطنية والحكومة الشرعية, فانتهينا بتنديد شديد اللهجة على شكل تحليل يتهم حماس بالمسؤولية عن قتل السائق الاردني في سفارتنا بفلسطين خالد حسن الردايدة في 24/5/2006.

كان التحليل ووصف كاتبه "بالمحرر السياسي" مثار انتقاد، وهو شيء تفهمته خصوصا وان "الغد" لم تكن معتادة على استعمال المقالات غير المذيلة ولا تريد البدء بذلك. وكما يلاحظ القراء الكرام انه ليس لدينا افتتاحية تتحدث باسم الصحيفة كما في "الرأي" أو "الدستور"، وصحف أخرى كثيرة.

دعوني اكون اكثر صراحة معكم واقول انني لم اكن متفهما للانتقاد وحسب، وانما نظرت بإعجاب ايضا الى ردة الفعل التي اظهرها قراؤنا بكل عفوية وسرعة، ما يعني تفاعل الناس مع ما تكتبه الصحافة و"الغد" بالذات في هذه الحالة.

ما لم يرق لي ان هناك من جاءني لينقل عن قيادي في جماعة الاخوان المسلمين قوله ان التحليل الذي كتبه "المحرر السياسي" ما هو الا حلقة اخرى في مسلسل جديد بدأته "الغد" التي "تغيرت".

"تغيرت" عن ماذا، لا اعلم.... ولكنني فهمت من كلام هذا الاخ انها "تغيرت" او حادت عن موقفها حول الاخوان المسلمين او حماس او كليهما منذ ان تسلمت انا، العبد الفقير، رئاسة تحريرها!

كان هذا الوقت الذي استذكرت فيه ليس فقط رسالة اخي الاستاذ الفلاحات، وانما تلك الايام في اوائل التسعينيات وحتى قبلها التي انبرت "الجوردن تايمز" التي كنت أرأس تحريرها من دون الصحف اليومية الاخرى للتحدث مع الاسلاميين وإجراء المقابلات مع قياداتهم وكتابة الاخبار والتحليلات عن سياساتهم وتوجهاتهم.

قليلا او نادرا ما كان هؤلاء يتحدثون مع الصحافة اليومية او صحف الدولة قبل فوزهم الباهر في انتخابات 1989،واذا تحدثوا لم يكن من المعتاد ان يروا صحافية او مندوبة صحيفة، فتلجأ زميلاتنا وقتها الى الحديث مع قياداتهم عبر طرف ثالث من المقربين لهم، او يطلبون من زملائهم الذكور القيام بتلك المهمة.

يتذكر هذا الكلام صحفيونا في اليوميات وكذلك في الاسبوعيات ومنهم اخونا بلال التل الذي كان يرأس صحيفة اللواء والذي كان له اتصالاته مع الجهتين ويساعد في التواصل بينهما، قبل ان يصبح مديرا لدائرة المطبوعات والنشر.

استذكرت تلك الايام، وانا استمع لمندوبنا السياسي الذي جاءني لينقل عن القيادي في جماعة الاخوان المسلمين قوله ان "الغد" قد "تغيرت".

كان واجبا علي ان اتحرك, ليس دفاعا عن نفسي او ان ارد على الاتهامات، فالناس والحمد لله تعرف انني غير محسوب على اية جهة او تنظيم سياسي، وان اغلى ما امتلك هي مهنتي ومصداقيتي بين اهل المهنة وغيرهم، وآخر دليل على ذلك ما قاله المراقب العام للاخوان المسلمين والذي اقتبست عنه حرفيا في اعلى المقال.

كان عليّ بالدرجة الاولى ان أبرئ الصحيفة من اي اتهام او ادعاء باطل او غير دقيق وُجه لها جراء نشرها التحليل الذي كتبه "المحرر السياسي" من دون ان يسمي نفسه او تسميه الجريدة.

اتصل بي من يقول، وهو من كتّابنا أيضا، ان لا علاقة لحماس باستهداف وقتل السائق الاردني خالد الردايدة. حينها قلت له: حسنا، فليرسلوا لي بنفي عن المسؤولية، برسالة او بتصريح، وسأنشره لهم على الفور... ورغم تأكيداتهم (حماس وصاحبنا الكاتب) ان الدكتور باسم نعيم وزير الصحة في حكومة حماس كان سيقوم فعلا بالاتصال والكتابة لنا، لم يتصل او يكتب احد، وبتّ اشعر فعلا ان الحديث عن تغيّر "الغد" ما هو الا مجرد كلام.

من الناحية الاخرى وفي اليوم التالي، كتب لنا الاستاذ حمزة منصور، رئيس كتلة حزب جبهة العمل الاسلامي في البرلمان، مقالا دافع فيه عن حماس وموقف الاسلاميين عامة، وقمنا بنشره تحت عنوان اختاره هو، وقرّع به الحكومة كما شاء.

فكيف "تغيرنا" اذا كنا قمنا فعلا بنقل الرأي الآخر ونشرنا ما هو اقوى من ذلك وأفسحنا المجال ليس فقط امام اخوتنا الاسلاميين وانما امام التيارات الاخرى بكامل اطيافها وألوانها لتقول كل ما تريده؟! هل من دليل آخر نحتاج لأن نقدمه والحالة تلك لنثبت ان "الغد" لكل قرائها واننا نحترم الديمقراطية والتعددية تحت كل الظروف ومن اجل الجميع؟!

في "الغد" اكثر من خمسة او ستة اعمدة يكتبها زملاء ذوو ميول اسلامية، ولا ضير في ان ينضم اليهم اصحاب اعمدة يساريون وقوميون وليبراليون. فليسامحنا اذا من اخذ يحتج على انضمام كاتب بعينه او حتى مندوب او محرر صحافي لا يعجب البعض.

اما ان يكون بيننا "محرر سياسي" يكتب من دون اسم، فنعد بأن نبتعد عن هذه الممارسة او بتعبير ادق عن هذا النمط في الكتابة بقدر الامكان، رغم ان ذلك متداول في صحف كثيرة عربية واجنبية،لكن من غير ان يثير ما أثاره "محررنا السياسي" من زوابع.

george@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لكل اوان دولة ورجال (غادة شحادة)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    حضرة الاستاذ الكريم جورج اسمح لي ان اقف احتراما واجلالا لموقفك البناء الذي كان ولازال مثالا للمسئولية حقا ان الغد محظوظة بوجودك على رأسها والحق يقال فان الغد كانت وستبقى عادلة وموضوعيةلذلك ياسيدي الكريم انا بدوري اهنيك واحييك وان كنت لا أرقى لمستوى الاستاذ الفلاحات شكرا جزيلا لك اما بالنسبة للمحلل السياسي فلا اخفيكم انني تفاجأت بهذا التحليل فهو ليس غريبا على سياسة الغد فحسب بل هو غريب على سياسة الدولة ككل ولا داعي لذكر الاسباب فكلنا نعرفها لكن كلام الاستاذ جورج اعاد لي نظرتي في الجريدة وان كنت لم افقدها بالكلية احييك ياجريدتي
  • »كلام لا لبس فيه (سليمان البزور)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    الاستاذ القدير جورج
    لقد جاء مقالك واضحاً وجلياًَ،المتعمق في هذا المقال والقاريء لما بين السطور يعرف كم انت كبير
    وكم تحاول جاهداً الارتقاء بالعمل الصحفي والمهني من خلال احترام التعددية...
    ربما كنت من اولئك الذين تخوفوا وارتابوا من استساخ تجارب بعض الصحف الاخرى على العزيزة الغد
    الا ان هذا المقال كان له اكبر الثر في ازالة اي لبس كان يعترينا
  • »في بعض أسباب الزوابع (سراب العارف)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    الأستاذ المحترم جورج حواتمة:

    ليست المشكلة في أنْ يكون لدى "الغد" أو أيّ صحيفة "محرّر سياسيّ" أو "محرّر اقتصاديّ". و أغلب الظنّ أنّ القرّاء ما كانوا ليعترضوا على "محرّركم السياسيّ" لو أنّ "التحليل السياسيّ" إيّاه كان حقّاً و فعلاً تحليلاً سياسيّاً؛ فما كتبَه "محرّركم" كان أشبه بافتتاحيّات النشرات الحزبيّة المسمّاة زوراً و بهتاناً "صحفاً" (على مثال جريدتيّ "البعث" و "الثورة" السوريتيْن)؛ فاللغة التي احتواها "التحليل" المذكور (أو احتوته؟) لم تبتعد كثيراً عن اللغة البعثيّة (أو العبثيّة؟) الخشبيّة و المزمنة. فهي (اللغة) تماهتْ بعماء مع خطاب (حكومي)ّ.

    و قد يكون إنكارُ القرّاء على "الغد" نشرَها "تحليلاً" لـ"محرّرها السياسيّ" مبعثه أنّ الأمر شكّلّ سابقة هي الأولى مِنْ نوعها في صحيفة الغد.

    مِنْ هنا كان اعتراض القرّاء على "تحليل" "محرّركم السياسيّ"، الذي كنّى "تحليله" عن فقدان استقلاليّته و استقلاليّة جريدته مِنْ ورائه. و هو يحسَب أنّ خطبته العصماء في هجاء حركة "حماس" قرينة على ثقافة نقديّة؛ و أغلب الظنّ أنّ حسبانه هذا، قرينة على انعدام أي نوع مِنَ الثقافة النقديّة.

    فالناقد يغدو أكثر جدارة حين ينتقد قومَه و أهلَه، و ليس انتقادُ "العدوّ" الحمساوي شجاعة أو بطولة؛ بل ربّما يكون نقيض ذلك تماماً؛ فنقدُ العدوّ، و الحال تلك، هو ذوبان و تماهي مع الخطاب (الحكومي)، على ما سبق القول. و شكراً لك.
  • »حول المحرر السياسي (محمد يوسف)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    تحية طيبة أستاذي

    لا تبدو المشكلة في مضمون مقال المحرر السياسي بقدر ما تتعلق باسم الكاتب الذي أعطى انطباعا بأن الكاتب هو الناطق الرسمي باسم الجريدة سياسيا و بالتالي فهو يعكس وجهة نظر صحيفة الغد. الغد التي عرفناها هي الصحيفة التي تسعى لنقل الخبر بمصداقية و تبحث في تفاصيل الحدث بدلا من نقل ما يسمع كما تقوم بعض المطبوعات.

    أجمل ما في الغد حاليا هو هذه الزاوية... تحية راقية لأسلوب صحفي راق
  • »امضي مدافعا عن الحرية و الكل يعرفك يا استاذ جورج حواتمة (الصيدلي عبدالهادي المدادحه)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    اكاد اجزم اننا لسنا بحاجة لمحرر سياسي في صحافتنا اليومية فكل ابناء الاردن المنتمون له حريصون على ابراز اجمل ما فيه ولكن حرية التعبير عن الرأي امر اهم من اختلاف الرؤية او عدم الرضا عن المكتوب. احيانا كثيرة اقرأ ما لا يعجبني اطلاقا ولكني اقدر سعة صدر رئيس التحرير المسؤول و اقول ان هذا الشخص متحضر ربما اكثر مني.
    الحرية يجب ان تعلمنا الشجاعة والقدرة على الاعتراف باننا نتعلم كل يوم وان العالم فيه الكثير الذي يجب ان بنشر ويرد على الكلمة بكلمة لا باتهام و تصنيف هذا تغير وهذا لم يتغير.
    علينا جميعا ان نتغير نحو الافضل وان نضع مصلحة الاردن فوق كل شيْ وان لا نخاف من الرأي الاخر.
    الخوف يجب ان يكون من كبت الحريات لان الامراض التي تستعصي على الشفاء تلك التي اصبحت من المسكوت عنه.
  • »اااا (بشير ابوالدهب/ اردني من عمان)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    الاستاد جورج المحترم :
    انا اقرا الغد مند اليوم الاول لبدايتها , وهي الجريده التي جعلتني احب قراءه الجرائد . فادا كان سيكون هناك تغير في النمط او نوعيه الكتاب فارجو منكم التاني والرويه في اختيار الكتاب , واقترح في هدا المجال عمل استفتاء للقراء على الكتاب الجدد بعد فتره من كتاباتهم في الجريده لان في النهايه القارئ هو الهدف من الجريده وليس احد غيره . فنحن لا نريد كتاب همهم شهره انفسهم او شهره جهه معينه او يميل لاتجاه معين يضر بالمصلحه العامه للوطن والمواطن . الحريه والديموقراطيه مطلوبين ولكن ضمن اطار المسؤوليه الشخصيه والوطنيه . شاكرا لكم الاهتمام وقراءه تعليقي
    واقبلوا فائق الاحترام
  • »Al Ghad is the forum for all views (Bana Sayeh)

    الأربعاء 20 شباط / فبراير 2008.
    Mr. Hawatme, as a consistent reader to Al Ghad and other Jordanian newspapers, with all respect and appreciation to all, Al Ghad has proven to be the voice of all views. No one can judge the newspaper for the front page news, because these news are published in all newspapers and usually covers the breaking news that concerns the Country and the context in general. Newspapers are judged on the articles that express usually the writer view and opinion. I can easily say that you have in your respective newspaper all kinds of writes, those who highlight liberal views to others who are very conservatives in their opinions. On a daily basis its clear that well balanced in the articles are made and out of respect to all views and opinions, a variety of writers express their different opinions on one topic, for instance Hamas and Hezbollah related matters. These topics were tackled from different perspectives and based on each writer belief. Honestly speaking, and being a newly returned citizen to Jordan I feel very proud and satisfied by the quality of credibility and professionalism of Al Ghad. I truly feel that it gives us the space and the opinions with extreme professionalism. We might not agree on certain opinions, but this is the way of reaching the tolerance and acceptance of the others, which we lack in our daily life.
    My last comment is related to you Mr. Hawatme and is eager to know if you are willing to write more often to your readers who wait your unique-style articles with great patient.

    I wish you and Al Ghad all success and to keeping your newspaper the forum for all views.