إسرائيل والاعتراف الضمني باغتيال مغنية

تم نشره في الثلاثاء 19 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

ماتزال العناوين المتعقلة باغتيال القيادي العسكري في حزب الله، عماد مغنيّة، تحتل صدارة وسائل الإعلام الإسرائيلية، بعد أيام على الجريمة، وبالإمكان تصنيف ما يُنشر في اتجاهين أساسيين، الأول التلميح بشدة  إلى أن إسرائيل هي التي نفذت العملية، ولكن دون اعتراف رسمي، والثاني أن إسرائيل تستعد لمواجهة هجمات انتقامية، إما في داخلها، أو ضد أهداف لها في الخارج.

فبعد ساعات قليلة جدا على صدور النبأ، بدأت تظهر في وسائل الإعلام الإسرائيلية تحليلات مختلفة لكبار المحللين العسكريين، تضمنت تلميحات واضحة إلى أن إسرائيل هي التي نفذت الاغتيال، ومعروف عن المراسلين والمحللين العسكريين الإسرائيليين، أنهم "يتحلون بالمسؤولية" تجاه المؤسسة العسكرية الأمنية، ويخضعون بشكل شبه مطلق لتوجيهات عليا.

كما أن التجربة علّمت أن الأجهزة الإسرائيلية استخدمت على مر السنين هؤلاء المراسلين والمحللين كقنوات لتمرير رسائل مختلفة، وما كان بالإمكان أن ينشروا ما نشروه في الأيام الأخيرة، لولا موافقة صامتة من الأجهزة الأمنية العليا.

فقد نشر المحلل العسكري البارز، أمير أورن، في الموقع الالكتروني التابع لصحيفة "هآرتس"، في نفس يوم الاغتيال، مقالا جاء فيه،"إن جائزة إلقاء القبض أو اغتيال مغنيّة التي عرضتها الولايات المتحدة هي خمسة ملايين دولار، وإذا صدقت الشبهات التي سارعت وسائل الإعلام العربية لبثها، فإن الجائزة يجب أن تكون من نصيب مئير دغان(رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الخارجية الموساد)، وطواقم العمل في جهاز الموساد، ولكنهم لن يأخذوا الجائزة، لأنه من دون المحفز الأميركي، كانت لإسرائيل أسباب جيدة للسعي لموت مغنيّة".

كما نشر المحلل السياسي، يوسي ميلمان، مقالا آخر، في نفس اليوم، في موقع "هآرتس"، جاء فيه، "إذا كانت إسرائيل هي التي تقف من وراء هذه العملية، فبالإمكان النظر إلى هذه العملية على أنها انجاز استخباراتي، ذو أهمية قصوى في حربها على الإرهاب، وحتى أنها تتفوق على عملية تصفية الدكتور فتحي شقاقي رئيس حركة الجهاد الإسلامي، في العام 1995، حين تواجد في مالطا".

وهذا غيض من فيض، ومن مؤشرات ارتكاب إسرائيل العملية، نجدها أيضا في "أجواء الفرح" التي عمت الحلبة السياسية الإسرائيلية، وكما يؤكد "شاهد عيان"، فإن رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، كان في ذلك اليوم في البرلمان الإسرائيلي(الكنيست)، والابتسامة لم تبرح وجهه، وهو يتلقى "مصافحات ساخنة"، حتى من أشد خصومه السياسيين، وهم يرددون عبارات ترجمتها:"كل الاحترام" و"إنه يوم كبير"، و"إن الله كبير"، "إنها فرحة كبيرة".

ثم ارتقت التلميحات لاحقا إلى درجة أكثر وضوحا، فمثلا بعد يومين، تسأل مذيعة الأخبار في القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي، المحللة السياسية في القناة ذاتها، أيالا حسون، وتقول حرفيا:"هل ما تزال الحكومة ترفض الاعتراف؟"، وتجيب حسون، "نعم ما يزالون يرفضون الاعتراف" وتبتسم.

ثم تصدر الصحف الإسرائيلية يوم الأحد الأخير تحمل عناوين واضحة، مفادها أن رئيس الحكومة قرر "مكافأة" رئيس الموساد، مئير دغان، بتمديد ولايته لعام إضافي، أي حتى نهاية العام 2009، بعد أن كان مددها حتى نهاية العام الجاري 2008، وكل هذا رغم عدم وجود اعتراف رسمي بعملية الاغتيال.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو سبب هذا الاعتراف الضمني غير المباشر، إذا كانت إسرائيل تريد حقا أن يبقى الأمر قيد السرية، خاصة وأن هذا المشهد بالضبط، شهدناه في وسائل الإعلام والحلبة السياسية الإسرائيلية، قبل خمسة أشهر، في أعقاب قصف الطائرات الحربية الإسرائيلية لموقع في شمال سورية، تزعم إسرائيل إنه منشأة نووية.

بداية فإن إسرائيل ليست معنية بإعلان صريح عن تنفيذ عملية كهذه، لأنها توقن أن حزب الله لن يترك الأمر من دون رد، والاعتراف الصريح سيقيّد مستقبلا أي رد فعل دولي تريده إسرائيل بعد ضربة انتقامية قد تتعرض لها.

وفي نفس الوقت فإن المصلحة الداخلية الإسرائيلية تتطلب إبلاغ الجمهور الإسرائيلي بأن مؤسسته الرسمية والعسكرية هي التي تقف من وراء الاغتيال، وهذا لخدمة عدة أطراف في الساحة الإسرائيلية، أولها وقبل كل شيء، رفع معنويات الأجهزة العسكرية والأمنية، التي تراجعت في أعقاب الحرب على لبنان، وما تبع هذا من أجواء سياسية وإعلامية، وجهت سهامها بالأساس للمؤسسة العسكرية الأمنية.

وفي الدرجة الثانية رفع معنويات الجمهور الإسرائيلي، الذي تم تثقيفه على أن للعسكرة ومبدأ القوة قيمة عليا مطلقة، وهذه المعنويات أيضا تلقت ضربة بعد الحرب على لبنان.

أما في الدرجة الثالثة، فإن المستفيد هو رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، الذي يبث رسالة مفادها، أنه مايزال يحكم من منطلق قوة ويحقق إنجازات للأمن الإسرائيلي، خاصة وأن هذه الورقة الرابحة الثانية، بمنظور إسرائيلي، التي يحملها أولمرت في جيبه في غضون خمسة أشهر، بعد قصف شمال سورية، ولا ننسى في الحسابات الحزبية وزير الحرب نفس، إيهود باراك، وهو أيضا مستفيد إلى درجة كبيرة.

ورغم ذلك، فإن الحلبة الإعلامية لا تسير كلها وبشكل مطلق في خندق واحد، بل بدأت تصدر مقالات لأقلام بارزة جدا، تسأل عن جدوى عملية كهذه للأمن الإسرائيلي، فمثلا "نصح" المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إيتان هابر، أولمرت ودغان وغيرهما بأن لا يفرحوا كثيرا لكلام المديح.

وكتب هابر:"لا تتأثروا من مقالات المديح ومن قيام السياسيين والإعلاميين بوضع أكاليل النصر على رؤوسكم، فهؤلاء السياسيون والإعلاميون سيستبدلون التصفيق العاصف بطوفان من البصق والصراخ المندد، إذا لا سمح الله نجحت المنظمات الإرهابية وعلى رأسها حزب الله بالرد بتوجيه ضربة شديدة لنا"، حسب تعابير الكاتب نفسه.

ويقول المحلل العسكري رون بن يشاي، في مقال له في الموقع الالكتروني التابع لصحيفة "يديعوت أحرنوت"، "من دون الخوض في سؤال عن هوية الجهة التي نفذت عملية التصفية، فمن المجدي أن نفحص بماذا خدمت هذه العملية المصلحة الأمنية لإسرائيل، هذا إذا خدمتها أصلا، لأن الجواب ليس حازما".

أما الكاتب التقدمي غدعون ليفي، فيكتب في مقالة له في صحيفة"هآرتس":"إن من قتل مغنيّة فإنه قد لعب بالنار مرة أخرى، وهو مسّ بأمن إسرائيل، وإذا كانت بالفعل إسرائيل، فكان عليها أن تسأل إذا هناك ذرة من العقلانية في عملية كهذه، وإذا لم تكن إسرائيل الفاعلة، فمن الأفضل لأجهزتنا الاستخباراتية أن تسارع لإثبات هذا، قبل وقوع الكارثة التالية".

ويتابع ليفي كاتبا، إن التاريخ اثبت أن ألف عملية تصفية واغتيال لم تجعل الوضع الأمني أفضل، فكل سلسلة الاغتيالات من علي سلامة وأبو جهاد مرورا بعباس موسوي ويحيى عياش وحتى الشيخ أحمد ياسين

وعبدالعزيز الرنتيسي، التي احتفلنا بعدها، مرت الفرحة بعدها بلحظة حتى تبعتها العمليات الانتقامية المؤلمة والقاسية على إسرائيل واليهود في العالم".

ويشير ليفي أيضا إلى موقع الاغتيال، خاصة بعد قصف شمال سورية قبل خمسة أشهر، ويسأل ليفي:"ما هي المصلحة من إهانة بشار الأسد؟ والى متى سيتلقى هذه المهانات ويتجاوزها؟ هل كل هذا يقربنا إلى طاولة المفاوضات مع سورية، التي تواصل رفضها بتعنت".

كل المؤشرات تؤكد على أننا مقبلون على تطورات، نعرف كيف بدأت ولكن من الصعب معرفة كيف ستتطور وكيف ستنتهي.

صحافي وكاتب- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق