دروع واقية من الفوضى

تم نشره في السبت 16 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

 

يكفي أن نطالع أي صحيفة محلية، يومية كانت أم أسبوعية، أو نتصفح موقعا الكترونيا أردنيا، حتى نلمس تنامي ظاهرة العنف في حياتنا اليومية بشكل غير مسبوق.

صغار رضع يلقون بلا رحمة في العراء ضمن اخبار صارت اعتيادية: شقيق يقتل شقيقه بسبب خلاف على مشاهدة التلفزيون، مراهق أهوج يغتال شقيقته انتصارا لوهم شرف العائلة، حالات سطو على بيوت ومحال، شخص يحاول فض مشاجرة فيلقى حتفه جزاء غير شكور!

طالب يخفق في امتحان التوجيهي فيقدم على الانتحار، اعتداء دوري على مستشفيات حيث أطباء يزاولون مهمتهم الإنسانية، إعلامي معروف يتعرض لاعتداء بلطجي بسبب رأي مخالف، امرأة ترتكب مجزرة بحق صغيرتها وحماتها خشية عار ذاع وافتضح، فيما صور الأشلاء المقطعة للضحايا تسربت عبر هواتف موظفين مؤتمنين، أمعنوا في استباحة الضحايا عبر نقل صور صادمة "بالبلوتوث" تداولها الكثيرون، ولم نسمع أنباء بعد عن المساءلة الإدارية والقانونية التي تمت بحقهم.

مسؤول أمني كبير يعقد مؤتمرا صحافيا يعلن فيه حيثيات تحقيق غير مكتمل، في حادثة بشعة تقشعر الأبدان هلعا لسماع تفاصيلها، راحت ضحيتها عائلة بأكملها، فيما تتعرض الطفلة المتهمة إلى أبشع أنواع التشهير، شاب يختار ملحمة متخصصة في ذبح الخراف والعجول، لارتكاب مذبحته الخاصة بحق نفسه وسط ذهول المحيطين. شاب يزهق روح صديق عمره ويخفي جثته في محاولة للتخلص من دين قديم لا يتجاوز خمسة آلاف.

ولا يقف حد العنف عند هذا النمط الدموي الفادح، فثمة أشكال مختلفة للعنف قد لا تؤدي إلى موت محقق، غير أنها تحدث أخطارا لا تقل جسامة.

ويتجلى العنف كذلك من خلال أسلوب التخاطب الفج الخالي من اللباقة والتهذيب، سيما في أوساط فئة الشباب الذين يكررون مفردات اللغة الفظة السائدة في السينما الأميركية، وهي كما يبدو المصدر الأساسي للمعرفة لديهم.

وتعتبر حالات العنف الأسري التي لا تصل إلى السجلات الرسمية شأنا عائليا خاصا لا يتجرأ احد على التبليغ عنها، حفاظا على تماسك العائلة، إضافة إلى حالات العنف الأكثر شهرة في الأردن، وهي حوادث السير التي أصبحت وباء يحصد الأرواح بلا هوادة.

ليس المطلوب من المتخصصين في الشأن الاجتماعي تحليل أسباب تصاعد هذه الظاهرة وجنوح شخصية الأردني إلى العدائية. المسألة معروفه للجميع: الوضع السياسي الراهن في المنطقة برمتها، إضافة للظروف المعيشية من غلاء فادح وبطالة وتدني مستوى الأجور وعدم تكافؤ الفرص، وذوبان وغياب ملامح ما يعرف بالطبقة الوسطى.

إضافة إلى ذلك الهجرات المتتالية وتخلخل توازن المعادلة الديمغرافية، والانفتاح الاتصالاتي المرعب والمتاح لأولادنا بكبسة زر، وتأثير الموسيقى الغربية العنيفة والسينما الأميركية بمفاهيمها المغلوطة، وتراجع دور الأسرة كسلطة ومرجعية في التأثير على سلوكيات المراهقين، العوامل والأسباب كثيرة لا مجال هنا لحصرها.

ويبقى المطلوب من علماء الاجتماع والمتخصصين النفسيين، البحث في وسائل الحد من هذه الظاهرة، وإحياء مفاهيم التعامل الحضاري المهذب، وتوعية الأفراد عبر وسائل جذابة إلى قيم أخلاقية في طريقها الى الاندثار، والسعي إلى إحيائها كدرع يقي مجتمعنا وأولادنا شر هذه الفوضى، وضرورة التمسك بخصوصية ثقافتنا، الذي سوف يحمينا من مغبة الذوبان في(طبخة) العولمة، مهما بلغت شمولية هذه المفرمة الكونية الكبرى.

علينا في جميع الأحوال أن نصرّ على التمسك بملامحنا وعلامتنا الفارقة ، كمجتمع أصيل متضامن قائم على مفاهيم نبيلة تكفل احتفاظ الفرد بكرامته الإنسانية بلا انتقاص.

egales_60@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الواقع.. ولامفر (ماياجميل اليافي)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    ماذكرتيه يا سيدتي جزء لايتجزأ من الواقع الاردني.. الذي بتنالانعرف له سببا.. أتفاجأ في غربتي عندما يصل الى مسامعي اخبار وجرائم لم نكن لنسمع بهاقبلا(بالرغم من انتشارالاعلام والفضائيات) وانا هنا اخالف رأي أحدالمعلقين بأن هذه القضايا موجودة منذ زمن بعيدولكنهاغيرمنشورة.. نعم كان البعض منها موجود قبلا ولكنهاحدثت على فترات متباعدة.. ولكننا الآن لانكاد نصحو من صدمة وجريمة حتى نتفاجأ بجريمة أبلغ قسوة وأشدجرأة.. تقشعرلها الابدان ويحزن القلب لمجرد تخيل ان هناك احدايعيش بيننا ويحمل تلك الافكار.. فمابالك بمن يطبقها.. مجتمعناأصيل والبعض منه يحتاج للارشاد والتوجيه والقليل من الحب.. وزرع القيم والاخلاق الدينية..
  • »قلم شجاع (محمد التل)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    كل الاحترام لكاتبتنا المتميزة بسمة النسور لأنها قلمها حر شجاع وصريح ولأنها تعبر عن واقعنا بدون مواربة ، ومقالتك اليوم يا اخت بسمة لدليل ناصع على مدى اهتمامك بقضايا الوطن والمواطن الله يعطيك العافية ويكثر من امثالك والى الامام
  • »ظاهرة العنف (باسم)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    العنف سمة العصر يا سيدتي وهو في في كل مكان ، اتفق معك في تحليل اسباب الظاهرة ، ولكن التصدي لها بحاجة الى سياسية امنية حازمة
  • »الدين الحنيف (سميرة المعاني)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    الابتعاد عن الدين وعن تطبيق احكام قرأننا الحكيم، وتعاليم رسولنا الامين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهي تحض على مكارم الاخلاق وتحرم قتل النفس، ويا اختي بسمة بارك الله فيك ان انصراف الشباب الى المعاصي هو السبب وراء تنامي ظاهرة العنف العودة الى الله عز وجل هي درعنا الواقي من الذوبان في طروحات العولمة التي تلغي فردية الفرد وخصوصية المجتمعات ليس امامنا الا التمسك بديننا الحنيف
  • »تأثير الغرب (سلام قموة)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    تعبر مقالة السيدة النسور عن واقع نعيشه كل يوم، ولا مجال انكار ظاهرة العنف وخصوصا في الجامعات والمدارس، دائما نسمع عن مشاجرات وحوادث اعتداء على اطباء ومدرسين، اتفق مع الكاتبة في اهمية العودة الى تقاليدنا الاصيلة وحماية الجيل الجديد من تأثيرات الغرب
  • »سراب الحاقد (ياسر العزب)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    يبدو ان الاخ او الاخت سراب لعارف يعيش في كوكب اخر ، لأن جميع الجرائم التي اشارت بسمة اليها، حصلت في الاردن في الاشهر القليلة الماضية فقط ،ويا حبذا ان تكون طريقة التعليق بعيدة عن التجريح حتى لو كان هناك خلاف. واخيرا اقترح عليك ان تكتب بأسمك الحقيقي وتسطيع ان تفيد الكتاب من خبرتك في الكتابة الصحفية . مقالة حارة موجعة وحقيقة تعبر عن واقعنا ، شكرا لكاتبتنا الفذة بنت النسور المحلقة في سماء الغد وشكرا لكم يا جريدة الغد ورئيس التحرير الاخ جورج حواتمة على اتساع الافق وعلو السقف
  • »الصحافه (بشير ابوالدهب)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    باعتقادي ان مثل هده الحوادث تحدث دائما وفي الماضي ايضا , لكن لم يكن احد يعلم بها سوى القريبين منها فقط . والان اصبح جميع الناس تقريبا تعلم باي حادثه مثل هدا النوع . وفي رؤيتي اننا بتنا نعتقد ان هده الاحداث جديده علينا ولم تحدث مسبقا ولم تكن اعدادها كبيره وهدا غير صحيح لانها كانت تحدث سابقا وباعداد طبعا اقل لان عدد الناس كان اقل فهي تتناسب طرديا مع عددالناس . بيت القصيد هنا هو الصحافه , فلأن مثل هده الاحداث باتت تتصدر الصحف والاكثر قراءه بين الناس كونها تستاثر على العاطفه الانسانيه ويتاثار الناس بها كثيرا وتؤثر على تفكير الناس وتزرع لديهم الهلع النفسي ويصبحوا في حاله انسانيه غير مستقره . وعليه وبعد هدا التحليل من الصحافه مايلي :
    1- الرجاء الحار والشديد بعدم جعل مثل هده الاخبار تتصدر الصحف لغايات تجاريه لديها.
    2- وضع مثل عده الاخبار في الصفحات الداخليه ضمن عمود الحوادث فمن يرغب بقرائتها يفتح الصحيفه عليه ويقرائها.
    3- ايضا تطبيقها على الصفحات الاكترونيه .
    معلومه اخيره , هل نتخيل الكم الهائل والعدد الهائل لمثل هده الاحداث في امريكا مثلا في حال احتسابها نسبيا فاعتقد ممكن الرقم يتعدى الملايين.. واخرها الجريمه المروعه في احدى المدارس في احدى الولايات .
    مع الشكر والتقدير لكم
  • »تفكيك و"خلخلة" (سراب العارف)

    السبت 16 شباط / فبراير 2008.
    لا يكفّ "كتّابنا" (و لا سيّما "كاتباتنا") عن إلقاء الدروس والمواعظ في الشاردة السياسيّة والواردة الاجتماعيّة.
    و لا بأس بذلك و لا تثريب؛ و لكنّ هذا الصنف مِنَ "الكتّابة" يغفل عن أبسط مقوّمات الكتابة الصحافيّة. فهذه يدور مدارها على السياسة والاجتماع، وهذان شأنان عامّان (على معنى الاشتراك و العموميّة). وهذا كلّه يفترض عدم نصب النفس علَماً و حَكَماً (أي إنزال النفس و الطبع و الخاطر منزلةَ العقل والفكر) حين الإدلاء بالرأي أو التعقيب على الحادثة السياسيّة أو الاجتماعيّة.

    و ما قرأناه في هذا المقال ليس يمكن أنْ نسمّيه مقالاً أو تحليلاً؛ بل هو مجموعة مِنَ الخواطر و التداعيات و الانعطافات و التعرجّات المرسلة والهاذية مِنْ غير اعتدال أو تحفّظ.

    فالكاتبة تستهلّ "مقالتها" بسرد مجموعة مِنَ الوقائع و الحوادث التي لا تعبّر عن زمان أو مكان، و لا ريب في أنّ أيّ نصّ لا يعبّر عن زمان أو مكان، هو نصّ تجريديّ، أي يقع خارج التاريخ و الجغرافيا.

    و بعد هذا السرد المضجر الذي اعتقدنا أنّه انتهى الفقرة الخامسة، تنبّهنا "الكاتبة" إلى عدم اقتصار الأمر على هذا "النمط الدمويّ الفادح". (و هذه معلومة خارقة، إكزوتيكيّة)

    فتنكر الكاتبة على "فئة الشباب" استخدامهم "اللغة الفظّة". (و هذه مِنْ قرائن "فداحة النمط" إيّاه). و لا بأس بذلك أيضاً؛ و لكنّ البأس هو في تعليل "اللغة الفظّة" المزعومة، و لا تبخل الكاتبةُ علينا في التعليل، فتردّه إلى "السينما الأميركيّة". و قد تكون الأخيرة هي ذريعة "المقالة" الأصليّة؛ و لا سيّما حين تدعونا "الكاتبة" إلى "التمسك بخصوصية ثقافتنا (...) و بملامحنا وعلامتنا الفارقة". و لا ندري (أو بالأحرى لا أدري) ما هي "علامتنا الفارقة" بالضبط.

    و لمّا كانت "الكاتبةُ" علَماً و مَعْلَماً في "الشأن الاجتماعيّ"؛ اقتضى ذلك طلبَها إلى "المتخصصين في الشأن الاجتماعيّ" عدمَ "تحليل أسباب تصاعد الظاهرة"؛ لأنّ "التحليل" جاهز و ناجز، و لن تلبث أنْ تخرجه مِنْ تحت قبّعتها و تضعه أمام "المتخصّصين"؛ فتُسرع في تعليم "المتخصّصين" "تحليلَ" الظاهرة، (على مثال تعليم الخالق آدمَ الأسماء كلّها!، و لله المثل الأعلى).

    و مِنْ ضمن "التحليل"، هناك "تخلخل توازن المعادلة الديمغرافيّة"، و تأويل هذه العبارة يحتاج عقلاً بارداً يميل إلى التسلية و المرح؛ للتفكّر و التدبّر في "تخلخل التوازن".

    و بعد أنْ زَجرتْ الكاتبةُ "المتخصّصين" و منعتهم مِنَ "تحليل أسباب التصاعد"، عادتْ و تكرّمتْ عليهم في الفقرة ما قبل الأخيرة، و طلبتْ إليهم الانخراط في حلّ المشكلة، مِنْ غير أنْ تسهو عن تعليمهم واجباتهم في الحلّ. و مِنْ أهمّ تلك الواجبات، " حمايتنا مِنْ مغبّة الذوبان في(طبخة) العولمة"

    و "المغبّة" هذه، هي أخطر ما يتهدّدنا، على ما تحتسب خبيرة "الطبخة العولميّة". و ما "المفرمة الكونيّة" إلّا إحدى الآيات الدامغة على طول باع و ذراع الكاتبة في الطبخ.

    و بعد حفلة التقريع و التأديب هذه، لا تنسى الكاتبةُ أنْ تذكّرنا بأنّنا "مجتمع أصيل". فإذا كنّا "مجتمعاً أصيلاً"، على زعم الكاتبة، فلماذا إذاً كلّ هذه الخطبة؟

    و على هذا، نشكر الكاتبة على إعادتنا إلى جادّة الصواب، و نحن بدورنا، لا يفوتنا أنْ ندعوها إلى جادّة الصواب كذلك.