الأفق مغلق

تم نشره في الجمعة 15 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

ليست المرة الاولى التي تهدد فيها اسرائيل باغتيال قيادات فلسطينية سواء كانت من حماس أو غيرها من قيادات فصائل المقاومة. وليست المرة الاولى التي يعقب تهديدها تنفيذ جرائمها غير القانونية، والتي تفتقد للشرعية والمنطق وتتعارض مع قوانين الحرب والصراع بين الاعداء, ولكن اسرائيل فوق القانون الدولي، بسبب الدعم والرعاية والحماية الاميركية.

سبق لاسرائيل ان اغتالت العديد من قيادات حركة فتح، بمن فيهم قيادات الصف الاول، اغتالت ابو جهاد قبل اوسلو، واغتالت ابو عمار بعد اوسلو، والعشرات بل والمئات من قيادات فتح وكوادرها، واعتقلت الالاف، فهل ألغى الاغتيال والاعتقال حركة فتح، ام انه صلّب بنيانها ووطد مكانتها ومنحها الشرعية والاحترام امام شعبها وامام العالم، حتى غدت قائدة النضال الفلسطيني وابرز ادواته وصاحبة المبادرات فيه، من الانطلاقة الى الانخراط في صفوف منظمة التحرير والبرنامج المرحلي والانتفاضة واوسلو الذي اعاد معركة الشعب الفلسطيني من المنفى الى الوطن، وهي صاحبة مشروع السلطة الوطنية والانتخابات وعدم الاذعان في كامب ديفيد للاميركيين والاسرائيليين، وما زالت حاضرة وسط شعبها وبين مساماته.

وما فعلته مع فتح، نفذته ضد الجبهة الشعبية، بدءا باغتيال غسان كنفاني ومحاولة اغتيال بسام ابو شريف الى اغتيال ابو علي مصطفى الامين العام واعتقالها لاحمد سعدات والعديد من كوادر الجبهة وقواعدها، ومع ذلك بقيت الجبهة فصيلا يساريا مقاوما لا يقبل المساومة ولا يجيدها، وهذا ما فعلته مع العديد من فصائل المقاومة.

ومثلما فعلت إسرائيل مع حركة فتح، فعلت مع حركة حماس، فاغتالت احمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي والعشرات من قيادات وكوادر الحركة، بهدف شل فعاليتها وتقويض دورها، فماذا حدث.. وماذا كانت النتيجة؟ حققت حركة حماس - بعمر زمني قصير، منذ انطلاقتها المتأخرة عام 1987، اي بعد عشرين سنة من ولادة اصغر فصيل فلسطيني- نجاحات غير مسبوقة، فقد افلحت في الانتخابات البلدية عام 2005 وآتت بفوز باهر في الانتخابات التشريعية عام 2006، واستطاعت حسم خلافاتها مع حركة فتح ومؤسسات السلطة الوطنية بالقوة المسلحة، والاستيلاء القسري على كامل قطاع غزة يوم 14/6/2007، على اثر الانسحاب الاسرائيلي من القطاع في شهر ايلول 2005.

فشلت اسرائيل في هزيمة حركة فتح وتقويضها ودفعها نحو التراجع والاسترخاء، مثلما فشلت في توجيه ضربة قاضية لحركة حماس رغم نجاحها في توجيه ضربات موجعة لقياداتها، والسبب في ذلك، اي في فشل اسرائيل، انما يعود الى ان الشعب معين لا ينضب من العطاء والانحياز لكل جاد ومناضل وان الشعب الذي يتوق للحرية والانعتاق، ينحاز لكل عزيمة تسعى وتتوسل الخلاص من الظلم والطغيان، وتستهدف الحرية والاستقلال.

حملة جيش الاحتلال الاسرائيلي، مهما بلغ مداها، وحققت ضربات موجعة بالاغتيال والتدمير لقطاع غزة ولمؤسسات وقيادات حماس، لن تستطيع هزيمة حماس او فرض الهزيمة عليها، ولن تتراجع عما تسعى وتعمل من اجله، لان حركة حماس غدت جزءا من مكونات الشعب الفلسطيني وتستوطن في ضمير قطاعات واسعة وهامة بين صفوفه، وهي جزء من حركة سياسية كبيرة حركة الاخوان المسلمين التي تمتد قواعدها الى 86 دولة في العالم، ولهذا ليس بمقدور اسرائيل اجتثاث حركة حماس او اقصاءها والنيل من مكانتها!

جيش الاحتلال واجهزته يدركون ذلك، لكنهم لا يستطيعون التصرف بمعزل عن قرارات قياداتهم السياسية، التي لا تستطيع مواجهة الجمهور وهو منزعج من استمرار ضربات الصواريخ، ولا تستطيع عدم الاستجابة لاستحقاقات التفاوض، في ظل طاولة مفاوضات مكشوفة لاميركا واوروبا والعالم. لهذا لا بد من اجراءات عسكرية تعمل على ردع اطلاق الصواريخ المزعجة، ورشوة الجمهور وتلبية نفسيته الاستعدائية المتطرفة، ولا بد من ايجاد حجج وذرائع لعدم التجاوب مع مطالب الفلسطينيين وحقوقهم المنهوبة، ووقائع غزة نموذج لتحقيق الاغراض السياسية لعملية المواجهة غير المتكافئة على امتداد حدود غزة مع جيش الاحتلال.

يصف احمد قريع المفاوضات التي يقودها في مواجهة ليفني بقولة "ان المفاوضات بزخمها لم تبدأ بعد، وليس هناك تشابك تفاوضي حقيقي، ولم يتم تشكيل اللجان التفاوضية بشأن عناوين وقضايا المرحلة النهائية والعالقة، والعملية التفاوضية مجرد عملية استطلاع للمواقف". ولما سألناه عن السبب قال لنا: "عدم وجود اشتباك تفاوضي يعود الى الاوضاع السائدة في قطاع غزة وكذلك في الضفة، من حصار واغتيالات واستمرار الاستيطان والانتهاكات فالمطلوب ترسيخ عوامل الثقة بدلا من عوامل الخوف والقتل والدمار كما هو حاصل حاليا، وهم يتحججون بالصواريخ كعامل مؤثر يتعارض مع المفاوضات وارساء الثقة، ووجود عمليات مثل ديمونا.

وهكذا تدور المفاوضات في ظل اجواء متوترة صعبة غير قابلة للاختراق، وتحول دون تحقيق النتائج، اضافة الى غياب القرار السياسي الاسرائيلي لتقديم الاستحقاقات للفلسطينيين باستعادة القدس وعودة اللاجئين وازالة المستوطنات واستلام الحدود والمعابر وتقاسم المياه، وهي عناوين لا تساعد موازين القوى على تحقيقها والتوصل الى تسويات وحلول بشأنها، وغياب الضغط الدولي لجعل الاسرائيليين يقبلون بها ويستجيبون لمطالبها.

الحصيلة هي ان العوامل الطاردة للمفاوضات اقوى من العوامل الضاغضة لتحقيقها، والثمن هو مواصلة نزف الدم الفلسطيني سواء من المدنيين البسطاء، او من قيادات الصف الاول وما بينهما.

hamadefaraneh@yahoo.com

التعليق