إبراهيم غرايبة

يوسف مقدادي

تم نشره في الجمعة 15 شباط / فبراير 2008. 03:00 صباحاً

كل الذين عرفوا الشاعر الدكتور يوسف مقدادي رحمه الله أحبوا فيه وتذكروا تلك القدرة الهائلة على حسن الخلق والمساعدة والتي لا يكاد يحتملها الإنسان جسديا ونفسيا، وربما كان ذلك سبب وفاته المبكرة، وعندما عاد من الخليج بعد خدمة طويلة طبيبا للأنف والأذن والحجرة اختار أن يعمل في وزارة الصحة، ولم يشأ أن يعمل في مستشفى خاص أو يفتتح عيادته الخاصة لأنه كما قال لي لا يقدر على معالجة الناس إلا مجانا، ولا يتصور كيف سيقبض منهم مالا بعد معالجتهم، والواقع أنه لم يكن ممكنا تصور ذلك حتى لأصدقائه ومعارفه، فقد كان يفاجئ الناس بقدر من العناية والاهتمام لا يمكن أن يخطر على بالهم، فعندما كنت ألجأ إليه كان يصر على المجيء بسيارته وإحضار الدواء بنفسه، وكان يحتفي بالأصدقاء والضيوف كما لو أنه يكتب قصيدة يسعى أن تكون أجمل ما يمكن.

عندما وصلت إلى الدوحة عام 2000 فوجئت به بعد نصف ساعة من وصولي يأتي إلى البيت برغم أني لم أخبره بأني قادم للعمل في الدوحة ولا بموعد وصولي، وسرني كثيرا أنه يتابع ويقرأ كثيرا مما أكتبه في الصحافة العربية، وكنا مختلفين في بعض المسائل والمواقف ومتفقين في مسائل أخرى، ولكنك لا تستطيع أبدا أن تتخلى عن تقديرك ومحبتك للرجل ولو اختلفت معه اختلافا تاما، ففي قدرته على الإصغاء والحوار الهادئ المحبب لا تتذكر أبدا أنك تختلف معه بل تظن أنكما متفقان تماما.

لقد أمضى الدكتور يوسف مقدادي معظم حياته المهنية في دولة قطر، ولم تعرفه كثيرا الساحة العامة والأدبية في الأردن، وكان يعزف كثيرا عن المشاركة الصحافية والظهور في وسائل الإعلام، ويعتقد أنها تفسد الأدب والثقافة، ويصر على أن جمهور الثقافة والأدب يجب أن يتواصل من خلال الكتب والمحاضرات واللقاءات، وقد أصدر ديواني شعر، أحدهما "أبوح لكم" والآخر هو "برقش" وبرقش هي الغابة الجميلة والمدهشة التي حولت إلى محمية طبيعية، وتقع قرب بلدته "بيت إيدس"، وهو بحق شاعر المكان، وقد حافظ بإصرار على القصيدة العمودية معتبرا أنها هي الشعر الحقيقي.

الدكتور مقدادي بشعرية المكان والثقافة والعادات المحيطة به قد يفتح للأجيال والباحثين مجالا لدراسة الحياة اليومية وعلاقتها بالثقافة والأدب وكيف يشكلان بعضهما، فقد دلني أحد الشعراء من حيث لم يرد على أن المنسف هو طعام المدينة وليس طعام البدو كما هو شائع في المعرفة لدينا، فهو (الشاعر) يتحدث في حنينه إلى الصحراء وضيقه بالمدينة كيف أنه عندما جاء إلى المدينة افتقد الضب واللحم المقدد،وأما المنسف والسمك فقد أصابته بالسقم.

ففي قصائده نجد توثيقا جميلا ومؤثرا للمكان والحياة اليومية

يا أنة الناي الأغن ورنة الوتر الشجية

تلك التي صدحت بها شم الروابي الأردنية

من بلبل طابت له ارباض قريتـنا الندية

متطايرا فيها، يغرد في الصباح وفي العشية

ما بين برقش والكروم وربتا والمستوية

والأيك أم خنيفس ما بين صير وميشرية

فانا رحلت وقريتي اودعتها في ناظريه

ودعت فيها كل مرتفع به ذكرى لديه

ولظى بقلبي والضــلوع، وجمرة في مقلتيه

مسترجعا ومحوقلا، وكما أودع والديه

وبكل سانحة احج لها وان كانت قصية

اذ ارتمي في حضنها، واشم أنفاسا زكية

واضمــها وتضمني شوقا وتهمس: اي بنية

ولم الرحيل؟ سؤالها، وكأنه مني اليه

فأجيبها نصف الجواب: بذا قضى المولى عليه

رباه! قدر ان اوارى في (مجنتها) الـعذية

فتضلني زيتونة خضراء وارفة بتهية

اهوى بها سعد السعود وسعد ابلع والخبية

تهوى عويل الريح تعصف بالشراقي الموسمية

ولهيب نار اضرمت بمدافئ الحطب الصلية

اهوى بها المحراث والمنساس والفاس القوية

اهوى بها الانسان يعشق ارضـه والبندقية

ولا أدري اليوم ماذا سأقول لوالدتي التي كان يعالجها الدكتور يوسف وما تزال تطلب مني أن أرتب لها موعدا آخر وأن أسأله عن سماعة الأذن التي طلبها لها من مستشفى البشير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تحية طيبة (محمود العزامي)

    الجمعة 15 شباط / فبراير 2008.
    الشاعر الدكتور يوسف مقدادي من أجمل الشعراء الذين انعكس أدبهم وشعرهم وإحساسهم المرهف على تفاصيل حياتهم الشخصية .
    اللافت والرائع والذي ينبغي الاحتفال به هو أن الكاتب الصحفي الأستاذ إبراهيم غرايبة يكتب عن عن هذا الإنسان الشاعر الجميل ، مئات القراء هذا اليوم سيقرأون عن الدكتور الشاعر يوسف ، وعشرات سيبحثون اليوم عن شعره ، هذه لقتة جميلة جدا من الكاتب الأستاذ إبراهيم ، إذ اعتدنا أن لا يتذكر أحد المبدعين في حياتهم أو مماتهم .
    لقد أحسست أن الأردن ثقافيا بألف خير ، عندما يتذكر الناس مبدعيهم ويحتفون بذكراهم .
    شاكرا من القلب للكاتب المميز الأستاذ إبراهيم غرايبة ..