د.باسم الطويسي

استعادة الشعور بالألم

تم نشره في الأربعاء 13 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

في تفاصيل مشهد عبور أكثر من(700) ألف فلسطيني الحدود المصرية نحو سيناء واستمرار تداعيات هذه الحادثة التي شهدها العالم، الكثير من الحكمة القاسية والضائعة التي تذهب بعيدا في العمق الاجتماعي والحضاري، وأهم ملامح هذه الحكمة التذكر بأن المجتمعات العربية لم تستعد بعد الشعور بالألم؛ أي الإحساس بحجم الأزمة الحضارية الممعنة بالهوان وبتهديد الوجود برمته.

ذلك الشعور الذي فقدته هذه المجتمعات منذ سنوات عديدة وترسخ بفعل لحظات مفصلية دشنتها سنوات القرن الجديد بامتياز؛ ألم تكن خطة احتلال بغداد تحمل اسم(الصدمة والترويع) وعنت فيما عنت موت آخر ما تبقى من الخلايا العصبية التي قد تشير إلى مواطن الألم، وهو ما نكتشفه اليوم بكل هذه البلادة فيما حدث على معبر رفح.

 عبرت مشاهد رفح الأخيرة مقابل مشاهد العواصم العربية المثقلة بالاسترخاء واليأس والكآبة السياسية بكل وضوح عن استمرار حالة فقدان الشعور بالألم. فالمجاميع البشرية التي اجتازت الحدود عبرت عن حالة غرائزية همها الجوع والحاجة واليأس من السياسة والتاريخ والمقاومة وكل اشكال التعبير الأخرى، والأخطر من ذلك اليأس مما يجري في الداخل أكثر من قنوطها من الآخرين.

فَقد العرب الشعور بالألم لحوالي ثلاثة قرون من حكم الأتراك العثمانيين إلى أن قادت النخب الأهلية استعادة الشعور بالألم في نهاية القرن التاسع عشر، بعد أن أخذت علما بمدى فوات المجتمعات العربية وتأخرها. وعلى الرغم من الحيوية التي أبدتها المجتمعات العربية خلال العقود الماضية في المقاومة والرغبة في التغيير إلا أن التغيير الذي لم يأت أفقدها الشعور بالألم وقبله الشعور بالأمل؛ فقد تحولت إلى مجاميع غرائزية لا تحرص على شيء أكثر من استمرار أسباب الحياة الأولية في هذا الجزء من العالم، الذي أصبح بالفعل ثقبا اسود في كل ما يشير إلى ادامية الإنسان، ومتحفا للحياة السياسية يلخص تاريخ الاستبداد والهيمنة.

المجتمع الفلسطيني عبر بوضوح عن فقدان الشعور بالألم ربما نتيجة حجم الألم وقسوته، حينما عبرت حركته الجماعية الحاشدة عبر الحدود عن حاجات غرائزية ملحة، رغم محاولات بعض الجهات توفير الغطاء السياسي لهذه الحركة؛ في حين أبدت النخب السياسية الفلسطينية شعورها بفقدان الألم نتيجة استرخائها الطويل وأنانيتها؛ في أبجديات النظرية الاجتماعية التي درست سلوك الجماهير نجد بأن "الجماهير لا تخون"؛ لأنها هي التي تفرز المعايير والقيم وتحدد من هو الخائن ومن هو الشهيد. لكن المجتمعات وجماهيرها تفقد البوصلة حينما تطعن من الخلف من قبل نخبها، حينما تتحلل النخب وتفقد وظيفتها الأساسية كمركز عصبي حساس وتفقد القدرة على تحديد القيم الكبرى وتحديد تعريفات إجرائية للمصالح الوطنية.

الكثير من حركات التحرر الوطني في طول العالم وعرضه شهدت انقسامات داخلية واقتتلت في داخلها، لكنها لم تترك شعوبها إلى مصيرها المجهول، كما هي الحال في حركة التحرر الفلسطينية التي شهدت صراعات وانقسامات داخلية عديدة، لكنها لم تصل إلى نقطة حرجة كما هو الحال اليوم، إلى الحد الذي فقدت فيه الجماهير الشعور بالألم نتيجة طول عمر الألم وعمقه، بينما فقدت النخب السياسية المتصارعة والأخرى الصامتة هذا الشعور نتيجة الاسترخاء وابتعادها عن الوطن المنتظر والناس، وانفصالها الوجداني والشعوري عن آلامهم وقبل ذلك انفصالها الواقعي عن القضية.

الأيام الفلسطينية الراهنة التي تلوح فيها كل يوم نُذر الاقتتال والحرب الأهلية هي للأسف أيام رمادية تبدو في بعض وجوهها أحلك من بعض الأيام السوداء التي عاشها الفلسطينيون في تاريخهم المعاصر. فالوحدة الوطنية أعز ما يملكه شعب يناضل تحت الاحتلال من اجل الخلاص الوطني مهددة اليوم أكثر من أي وقت مضى. في السابق كثيرا ما تقاطعت البنادق الفلسطينية في الخارج، لكن فوق ارض الحلم الفلسطيني فإن الحسابات والوقائع والمصائر حتما سوف تختلف.

ما يزيد هذه الظروف تعقيداً وصعوبةً هو غموض الحقيقة وعدم وضوحها في وعي الشعب الفلسطيني ووجدانه، الذي بات حائرا وسط مساحات شاسعة من الرمادية والتضليل، الأمر الذي يفسر صمت ما تبقى من شرعية يمثلها هؤلاء الناس الأكثر صبرا وتحملا والذين لم يقولوا كلمتهم فيما آلت اليه الأمور.

الناس هناك، تحت وطأة الظروف القاسية والحصار، كادوا ان يفقدوا بوصلة الحقيقة، بعد ان حولت الأحداث والمواقف المشهد الفلسطيني إلى حالة رمادية ضاعت فيها الحقيقة وتكاد ان تضيع القضية أيضا. الفلسطينيون قبل حكام الضفة وأمراء غزة بحاجة إلى استعادة الشعور بالألم؛هذا أضعف الإيمان.

basim.tweisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Disappointed (محمد النصرات)

    الأربعاء 13 شباط / فبراير 2008.
    Disappointment of Arab unity started near the wall.But who is responsible for what happened.Is the Egyptian government or the Palestinian government?I think the responsibility is shared between the two governments.However, the greatest responsibility lies on the Egyptian side
  • »Berlin Wall (محمد النصرات)

    الأربعاء 13 شباط / فبراير 2008.
    When we saw the Palestinians demolish the wall between them and the Egyptians, I remembered the Germans when
    they demolished Berlin Wall.I thought at the time that the Palestinian and Egyptian governments have decided to demolish the wall and unity between them.But unfortunately, when we saw beatings, looting and killing on the border
  • »من المسؤول (جبرين عطية المشاعلة)

    الأربعاء 13 شباط / فبراير 2008.
    لاندري يأخ باسم من المسؤول عن مايحدث في غزه فجهة استخدمت الشعب في غزه غطاء سياسي لغض النظر عن أخطائةالسياسية ولكسب تعاطف الشعوب العربية علما ان الشعوب العربية والاسلامية تتعاطف مع الشعب وليس مع الموقف الرسمي وجهة في مكان تتهم جهة اخرة بلارهابية وتلك تتهم تلك هذا الانقسام الداخلى اعطي الذريعة لاسرائيل للقيام بما تقوم به فم المطلوب اذأ رص الصفوف بين الفصائل الفلسطنية جميعها دون الاستثناء والتوقف عن الاتهامات والكيد للبعض