علاء الدين أبو زينة

معضلة الترجمة: السير على حبل مشدود

تم نشره في الاثنين 28 كانون الثاني / يناير 2008. 03:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

يثير شجون أي مشتغل بالترجمة أن تثار قضاياه وأسئلته على صفحات الصحف. وقد مسّ الأستاذ جورج حواتمة موضعاً حساساً حين كتب أول من أمس مقالته المعنونة: "الترجمات: لغسل العقل أم للتواصل مع الحضارات"، وأجاب، من واقع تجربته ورؤيته المحترفة عن أسئلة مثل: الغاية من الترجمة، وإذا ما كانت لها أهمية في عالم الصحافة، وغير ذلك من القضايا. وهي أسئلة تقع في القلب من حوار المترجم مع ذاته ومحاولة الإجابة عن الأسئلة الأخلاقية التي تطرحها مقارباته لوظيفته ومحدداتها، خصوصاً في عالم الصحافة.

من هذا الموقع بالتحديد، أعني من موقعي المهني، بوصفي معنياً باختيار ما تمكن ترجمته ليُنشر على صفحة "كون" في صحيفة الغد، أحاول في هذه المداخلة الخفيفة إضاءة بعض ما يدور في ذهن المترجم عند اختيار مادته. ولا بد من الاعتراف، مقدماً، بأن هذا الاختيار، مثله مثل أي قرار يتخذه محرر في صحيفة حول ما يمكن نشره، ينطوي على المخاطرة؛ ثمة سياسات للصحف المعنية لا يسهل إنكار وجودها أو تخطيها، وثمة سياسات محليّة عامة ينبغي عدم الخروج على أطرها العامة بغية عدم إدخال الصحيفة، بل والبلد كله أحياناً، "في الحائط"، حسب التعبير الشائع في أوساط هيئات التحرير.

وهناك، فوق ذلك ومعه، رؤية المترجم إلى الترجمة بوصفها فعلاً محايداً يقصد إلى نقل وجهة نظر مغايرة يتبناها أناس آخرون، ولا تمثل بالضرورة رؤيته هو. كل ذلك وغيره يقتضي، حكماً، أن يحافظ المعنيّ باختيار ما يُترجم على التوازن فوق حبل هذه المعطيات وغيرها الكثير.

كنت أتصور حين بدأت العمل بالترجمة الصحافية أن موضوعات الترجمة في الصحف تحظى بالحماية التي توفرها العبارة المعروفة: "هذه المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الصحيفة (المطبوعة)، وإنما عن وجهات نظر أصحابها الأصليين"، لأكتشف بعد ذلك أن السائد هو وضع المترجم في موضع المؤلف، والحكم على خياراته بوصفها مؤشراً على توجهاته وآرائه هو (أو المؤسسة التي يمثلها)، ولأكتشف بعد ذلك شيئاً أغرب، حين أخبرني محام معنيّ بقضايا النشر إن الصحيفة تكون مسؤولة عن الترجمات التي تنشرها في حال مسّت هذه المقالات بجهة، شخصية أو اعتبارية، تشعر بتضرر مصالحها أو تعرضها للتشهير، وبحيث يمكن لتلك الجهة مقاضاة الصحيفة أو المطبوعة.

إذن، فإن الخيار الأسهل الذي يذهب إليه المعنيون هو ترجمة مقالات لا تمسّ بأحد، ولا بفكرة شائعة، ولا تكشف عن حقائق غير مرغوب بالكشف عنها، ولا تنشر لكتّاب يعتقد بأنهم يقولون شيئاً غير ما يُقال، أو يجب أن يقال، هنا. وباختصار، يبحث صاحب الخيار عما يبقي على رأسه "المهني" بين كتفيه. لكن ثمة إحساساً بالخسارة يظل يلازم المترجم حين يقرأ شيئاً يقول قولاً مغايراً ينبغي للناس أن يسمعوه، لكنه يضعه في الأدراج بسبب الاعتبارات المذكورة.

فكرت مرّة، من موقع مهمتي في صحيفة الغد، أن أنشر مثل هذه المقالات مع شيء أدعوه "تعليق المحرر" مثلاً، أشير فيه إلى أن "ما يرد أدناه" هي رؤية أناس آخرين إلى الحدث الفلاني في الأماكن الأخرى من العالم.. انظروا كيف يفكرون! أليس مفيداً أن نعرف كيف يفكر الآخرون بالأشياء حتى ولو اختلفت رؤاهم عن رؤانا؟ وهل يعني نقل رؤاهم أننا نقوم بفرضها على قارئنا من باب "غسل الدماغ"، وليس من باب إطلاعه على ما يدور "هناك"؟ وهل ثمة ما يسوّغ الاستهانة بعقلية القارئ حد القلق من "فتل" دماغه بمجرد إطلاعه على أطروحة أخرى مغايرة؟

يمكن أن أتحدث هنا عن القلق الذي يساور المعنيّ إزاء "ردة الفعل" حين ينشر مقالاً لكاتب إسرائيلي يميني مثلاً. وأستحضر في هذا المقام انتقاد الراحل إدوارد سعيد للجامعات العربية لخلوها من أقسام للدراسات العبرية مثلاً، بينما تضم كل الجامعات الإسرائيلية، والغربية، أقساماً للدراسات الشرقية، والعربيّة بشكل خاص. والحاصل الطبيعي لمثل هذا الغياب أننا نظل مقيمين على جهلنا بطرائق تفكير الآخر، ونتاجاته المعرفية وماذا يقول عنّا، في حين يعرف هو كل ما نقول، وكيف نقوله ولماذا.

لعل في هذا بعض الإجابة عن سؤال غياب ترجمة المقالات العربية عن الصحف الغربية. ثمة أولاً جهات كثيرة هناك، من الجامعات إلى المؤسسات الفكرية، تقرأ العقل العربي وتترجمه وتشرحه. وهناك ثانياً كتّاب عرب وهنود وباكستانيون يكتبون في الصحف الكبرى وجهة نظر مغايرة باللغات الغربية مباشرة، وتمرّ مقالاتهم هناك، على قلتها، من باب الزعم بالتسامح مع التنوع، وتمر معها مقالات "لغرباء" آخرين يحملون صفة "خبراء" ويكتبون ضمن حظيرة الخطاب السائد والمطلوب.

سؤال أخير ربما تتيح المساحة المتاحة الإجابة عنه، ولو أنه ليس الوحيد: ما الذي يتطلع إليه المترجم في صحيفة، أو المفوّض باختيار ما يترجم لصحيفة؟ ربما تتحدد الإجابة بضرورة الترجمة، إن كان ثمة إجماع على مثل هذه الضرورة. إن ضرورتها تأتي من كونها تقول جديداً، وتفتح وعينا على عقل الآخر، وتتيح لنا فتح حوار معه واستنطاق منطلقاته ومقولاته. ويخطر لي مثالان في هذا المقام: أولهما ترجمة العرب الأولى للفلسفة والعلوم اليونانية "الإلحادية" دون تخوّف، وهو ما تأسست عليه الفلسفة الإسلامية والعلوم؛ وثانيهما ما قاله الدكتور جابر عصفور (رئيس المجلس القومي للترجمة في مصر) حين ذكر الصعوبات التي صادفت المجلس الأعلى للثقافة الذي كان يترأسه في مصر حين ترجم المجلس كتاب داروين الشهير "أصل الأنواع". قال الدكتور عصفور إنهم "تحايلوا" على نشر الكتاب بتصديره بالتعويذة المذكورة: "هذا الكتاب يعبر..." ولنا أن نتخيل عالماً عربياً لا يعرف شيئاً عن مثل هذا الكتاب مثلاً.

المطلوب إذن هو مساحة معقولة من الحرية المسؤولة، وتعويد الأذن على سماع نغمة نشاز، وإدراك أنها كذلك. وأن يتم التمييز، بما ينبغي من الوعي، بين المترجم وصاحب القول الأول، بما يبقي على رأس المترجم، وصحيفته، بين الكتفين.

مدير تحرير قسم الترجمة – صحيفة الغد

ِalaeddin.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »غير الانجليزية (بادرة حنا)

    الاثنين 28 كانون الثاني / يناير 2008.
    معظم المهتمين بقرأة التراجم الصحفية يجيدون اللغة الانجليزية ويستطيعون قراءة النصوص الأصلية. ما نحتاج إليه تراجم لنصوص بلغات أخرى، غير الانجليزية، مثل الصينية والألمانية والعبرية... هناك صعوبة في ترجمة المقالات العربية إلى الانجليزية لأن معظم كتابانا يستخدمون لغة عامة ومطولة ومواربة وغير مباشرة وتحتمل التأويل الكثير.
  • »Excellent Read (Basil Hamdan)

    الاثنين 28 كانون الثاني / يناير 2008.
    First of all, I'd like to thank Mr. Abu Zeineh for this excellent article. Very interesting read indeed!

    The Arabic saying goes:

    "ناقل الكفر ليس"

    The English poverb goes:

    "Don't kill the messenger"

    One would think that this should be the case with translated material but well,"it's easier said than done"

    Even that disclaimer "The views expressed in this article..." does not seem to do an awful lot of good when that translated piece turns out to be controversial or problematic.

    So in short, the kind of freedom of press we have is nothing short of "you can run but you cant hide" (neither behind a poverb nor behind a disclaimer) so a translater will have to walk a very fine line but the compelling question is who draws the line and how do we define responsible freedom? Define it in a way that does not strip it of its very meaning...

    Once again, thanks for this illuminating piece.

    and if I am allowed to end my comment with a very personal note, we all want that head to stay on top of those shoulders
    !!

    This article made my night !