موظفون مُتعَبون وجوائز على الورق!

تم نشره في السبت 26 كانون الثاني / يناير 2008. 03:00 صباحاً

الأفكار النبيلة لا يكون تطبيقها مثالياً بالضرورة. هذا ما يمكن قوله عن جوائز التميّز التي تنشغل مؤسسات حكومية خاصة بالتنافس عليها سنوياً، فتجنّد لها كوادر من موظفيها، وتعقد لأجلها المحاضرات التي تُستخدم فيها أحدث وسائل عرض المعلومات والبيانات، وتنظم ضمنها زيارات ميدانية للدوائر والأقسام، بينما تتّبع الجهات المشرفة على المسابقة أساليب التخفي في مراقبة سلوك الموظفين مع المراجعين، قبل أن تنتهي في آخر العام لإعلان فوز خدمات وإجراءات واحدة من المؤسسات على منافساتها، ذلك أن هذا كله لا ينعكس بالضرورة على صيغة تغيير واقعي وتطبيقي في "ثقافة الوظيفة" لدى صغار الموظفين، والتي مفادها التكاسل والتباطؤ وعدم الإتقان، رغم القدرة على الإتقان. والأمر نفسه يمكن قوله عن جوائز التميز التي تعقدها بعض تلك المؤسسات بين موظفيها، إذ ليس بالضرورة أن يفوز أحسنهم عملياً.

أما لماذا لا تنسجم الجوائز مع ما يجري فعلياً على أرض الواقع، فلأنها في الغالب جوائز على نوايا العمل لا على العمل نفسه. بمعنى أنها تأخذ في حسبانها ما تدونه المؤسسة أو الموظف في الوثائق والنماذج المقدمة للجائزة، أكثر من التفاتها لما يجري فعلياً على أرض الواقع، الذي لا يملك أحدٌ وسائل فعّالة للخروج بنتائج حقيقية وواقعية من مجرد الكشف الحسي عليه، أي من دون التورط فعلياً في تفاصيل قضاياه ومسائله.

فحين يستمع واحدنا للعروض التي تشرح إجراءات المؤسسات، ونظامها الصارم الذي تدّعي تطبيقه، يظن أن الأمور على خير ما يُرام، بخاصة إذا ما خُطف بصره بعروض الـ"بور بوينت" والاحتفالات البهيجة بالمشاركة في المسابقة. ويعزز ذلك الظن تلك الادعاءات بزيارات الكشف الميداني التي تكون قد قامت بها "جهات محايدة" و"ذات خبرة" أكدت دقة الإجراءات وسلامتها. وإذا كان ادعاء كل مؤسسة بصرامة إجراءاتها وسلامتها لا يُحمل على محمل الجد دائماً لأنه يصب في مدح الذات، فإنه يغيب عن بال كثيرين أن تلك "الجهات المحايدة" التي تجري الكشف الميداني، لا تكون في الحقيقة متخصصة بتفاصيل عمل المؤسسة، ما يجعل حكمها قائماً على ظاهر الأشياء لا على حقائقها، ولهذا نراها تهتم بتفاصيل لا قيمة لها، وتتعلق بالسلوك الشخصي لصغار الموظفين، لا بسلاسة الإجراءات وسلامتها على أرض الواقع، ومدى تطابقها مع ما هو مدون من نوايا في الأوراق المُقدّمة للمسابقة.

وهكذا فإن حقيقة كثير من تلك المسابقات والجوائز تتضمن كثيراً من الكوميديا المُرّة، فهي تطلق أحكاماً يضطر كثيرون لتصديقها تحت وطأة الشعور بهيبة الحُكّام ومعرفتهم العميقة بالتفاصيل، بينما قد لا يجد المواطنون من غير ذوي النفوذ فرقاً كبيراً بين سلوك المؤسسة التي حُكم لها، ونظيراتها اللاتي لم يُحكم لهن، بشكل ينسجم مع تسميتها مؤسسة متميزة ومتفوقة، إذ يلحظ أن ثقافة الوظيفة وتطبيقاتها على أرض الواقع واحدة وباقية ومتجذرة.

وفي الوقت الذي لا نذهب فيه للتعميم، فإننا أيضاً لا نتّهم صغار الموظفين بالتقصير والفشل على الدوام. بل يمكننا القول أن مجرد تحوّل واحدهم من موظف صغير إلى كبير، يجعله صاحب عطاء وعمل دؤوب ومثابر ومثمر، وكأن ثقافة عدم الإتقان صنو للوظيفة الصغيرة وحدها، ما يعني أن الواجب اتهام الحالة الوظيفية للموظف، وليس الموظف نفسه.

صغار موظفي تلك المؤسسات، إذن، ليسوا سيئين بالضرورة، بل إن ظروف عملهم هي السيئة. والمقصود هنا ليس مداخيلهم الضئيلة وحسب، وليس ظروفهم المعيشية التي لا تكون في الغالب مريحة فقط، بل قبل ذلك كله شعورهم الضمني بافتقاد العدالة في التقييم والمكافأة والترفيع، ما يجعلهم متعبين نفسياً طوال النهار وبالتالي متكاسلين في أداء أعمالهم. فكيف -بالله عليكم- يكون شعور موظف يرى بعينيه كيف تُمنح جائزة "أفضل موظف" لزميله الذي لا يأخذ عمله على محمل الجد، لمجرد أنه تمكن من مطابقة معايير الجائزة على ما قدمه من أوراق وملأه من نماذج تقييم؟.

ثم بالله عليكم كيف يكون شعور موظف يرى من هو أقل منه كفاءة يحتل مواقع وظيفية أعلى من موقعه، وقد يصير مسؤولاً عنه يُضطر لموافقته على قراراته رغم علمه أنها تُخرّب العمل، لمجرد أن زميله ذاك يُتقن التسلق والانتهازية أو لأنه مدعوم ومعذور الخطأ؟ لماذا يُتقن الموظف عمله ما دام كل شيء يؤخذ بالفهلوة؟ ولماذا سيتغير العمل للأفضل على أرض الواقع ما دامت الجوائز نفسها تُمنح، في الحقيقة، للمؤسسة الأكثر فهلوة؟!.

samerkhraino@hotmail.com

التعليق