المؤتمر الأول لتحالف الحضارات

تم نشره في الثلاثاء 22 كانون الثاني / يناير 2008. 03:00 صباحاً

فيما يمكن اعتباره خطوة استثنائية لعلاقة السياسة بالفكر تمت دعوة طيف واسع من المفكرين والسياسيين في مدريد للمؤتمر الأول لتحالف الحضارات. الدعوة للمؤتمر وجهها رئيس الوزراء الإسباني زباثيرو، والرعاية جاءت من ثلاثة أطراف مركزية هي: الأمم المتحدة، وتركيا وإسبانيا.

المميز في المؤتمر تجلى في سعي أطراف عالمية كبرى لاتخاذ موقف إجرائي من فكرة صراع الحضارات، باعتبارها فكرة تمثل ليس فقط وصف ما يجري في العالم، بل تمهد لاستقطاب ثقافي عالمي. فجاء المؤتمر في عنوان يمثل موقفاً ليس فقط من التعبير (صراع الحضارات) بل من كل ما ينطوي عليه ويشير إليه كحقيقة وكوصف. ففي الوقت الذي يصر صاحب مفهوم صراع الحضارات صمويل هنتنغتون على أنه يقدم وصفاً لما يجري، ولا يدعو للصراع بين الحضارات، هناك من يخلط بين رجل العلم الذي يفسر والداعية الذي يحرض. ويمكن القول أن المؤتمر هو محاولة في سياق منع صدام الحضارات أكان ما قدمه هنتنغتون، دعوة تحريضية أم مجرد كشف لحقيقة ما يجري. فأهم ما تبدى في المؤتمر هو رغبة عارمة ليتجاوز العالم ضعفه وبطء خطواته في تحويل بعض الأفكار إلى فعل سياسي.

المؤتمر كان سعياً جاداً للدول التي تقع على خطوط التماس الحضاري لتفعيل الأفكار في صياغة وتوجيه السياسة العالمية، وذلك إلى الحد الذي يعطي الموقف مضمون وشكل تحالف. الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية خافير سولانا، رغم إصراره على أن الصراعات تعبير عن توازن القوى والمصالح، فإن مشاركته دليل على أن هذا القول صحيح في سياق يتم فيه التمييز بين الأيديولوجيا والتفكير الموضوعي.

تركيا التي تقف على مفصل الزمن والجغرافيا، كان حضورها في المؤتمر مدوياً. إذ أصر رئيس وزراء تركيا المسلمة، أن تركيا حققت كل شروط الاتحاد الأوروبي لتنال عضوية أوروبا. إذ بالرغم من أنه زعيم حزب إسلامي لكنه أكد على علمانية تركيا، وأن تركيا توجه بحقائق موضوعية وليس بالخطاب التعبوي لرئيس وزرائها.

اسبانيا التي تقف على مثلث تاريخي فريد تقدمت عبر رئيس وزرائها زاباثيرو بخطاب بليغ، لم يكتف بعكس مأزقها بل سعى لتقديم رؤية واضحة لتحرك مستقبلي، عنوانها أن تحالف الحضارات كمفهوم والتزام يجب أن يتحول إلى منظومات قانونية للدول المشاركة في هذا التحالف، وقدم إسبانيا كنموذج في هذا الاتجاه. فهي من جهة جسر ثقافي ونصف سكاني يربط بين خصوصيات أميركا الجنوبية وأوروبا. كما أنها تتوسط فيزياء الجغرافيا العالمية بين أفريقيا وأوروبا. وهي فوق كل ذلك مركب حضاري فريد لذاكرة العلاقة بين آسيا وأفريقيا المسلمتين وأوروبا المسيحية. وتجلى الصوت الاسباني الفريد بدعوة العالم إلى التقدم واتخاذ خطوات عملية، دون الاكتفاء بتلمس الهموم والاعتراف بها.

كلمات شخصية حميمة مثل التي تقدمت بها الملكة نور (شريكة تأسيس وقف متعلق بتطوير دور الإعلام في تحالف الحضارات) بدت دعوة مفتوحة لآفاق مفعمة بالأحلام. وليست تعبيرا عن ممكنات تاريخية أو فكرة تكشف آفاقا جديدة وتساعد من يريد ارتيادها. فكما قدمت نفسها ابنة الثقافة البروتستانية الشرقية التي نشأت في الولايات المتحدة، ثم عادت لتعتنق الإسلام وتصبح ملكة مسلمين، بدا حديثها بجانب منه سيرة ذاتية لسندريلا القرن العشرين. ولكنها أعلنت مشاركتها لموقف الأغلبية المضاد للتنميط في الإعلام الغربي، وهذا الجو ساهم بالتأسيس لمبادرة عربية عنوانها حق الإنسان أن يكون مفهوماً.

فالمؤتمر قدم فرصة ذهبية لإعادة طرح بعد جديد لحقوق الإنسان وهو حق الإنسان أن يكون مفهوماً. ولكن ربما ما تزال مسيرة هذا المفهوم في مراحلها الجنينية الأولى. وبالرغم من أن هذه كانت مبادرة عربية بامتياز، إلا أن ضعف الحضور الرسمي العربي وتركيزه على ملاحظات غائمة أبقى تقدم ونجاح هذه الدعوة مرهونين بالصدف. وجدد هذا الضعف التساؤل في أوساط المؤتمر حول دور النخب العربية الحاكمة في تعزيز فرص الاشتباك الفعال بين المجتمع العربي والعالم.

الحضور الرسمي العربي الضعيف، رغم أن المؤتمر يدور حول علاقة العالم مع العرب, يشير إلى أن النخب الرسمية العربية تريد الحفاظ على شرعية مفترضة لهم فوق الجسر الذي يربط الغرب مع مجتمعات العربية التي توصف حقيقة ببعدين: أنها من جهة ضحية، ومن أخرى مصدر خطر وتهديد لأمن العالم. وبقي السؤال حول دور المجتمعات العربية في التحالف مع المجتمعات العالمية من اجل مستقبل الحضارة الإنسانية مفتوحاً ومعلقاً على العديد من الملفات الساخنة وعلى رأسها الديمقراطية والقضية الفلسطينية التي حضرت وتوسطت معظم حوارات المؤتمر. 

وبسبب ضبابية الهدف وغموضه بدا المؤتمر وكأنه فرصة إعلان نوايا تبحث عن أهداف عملية. فالمجتمع العربي بصفته ضحية للاضطهاد والنهب من نخبه الحاكمة المدعومة من الغرب، وضحية للهزيمة أمام إسرائيل المدعومة من الغرب، تحول إلى مجرم مطارد من نخبه الحاكمة وإسرائيل والغرب. وكما تجلى العجز عن تقديم العرب كضحية تجلت الضبابية في توصيف المجرم  ومصدر الخطر.

المقترح المقدم من كاتب هذه المادة (حق الإنسان أن يكون مفهوماً) مثل مبادرة عربية تسعى لجعل المؤتمر مناسبة حقيقية للتعبير عن دور المجتمع العربي في مستقبل العالم. الشعار لا يتضمن بحد ذاته فعلاً أو دعوة لفعل، ولكنه يتضمن الدعوة لتأسيس التزام أخلاقي عالمي تجاه كل ما من شأنه أن يمثل فاصلاً يمنع تواصل الحضارات وتحالفها. وقد وافقت بعض الهيئات الدولية المشاركة في المؤتمر على تبني هذه الفكرة وترجمة مواد عنها لصاحب المبادرة ونشرها. وهذه فرصة لدعوة المؤسسات الإعلامية العربية والعديد من دوائر النشاط الفكري للمساهمة في دفع المبادرة التي سيتم تناولها في عدة مواد قادمة.    

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حوار في ما بيننا أولا.. (أحمد المسلماني)

    الثلاثاء 22 كانون الثاني / يناير 2008.
    أرى الصورة أقل تشاؤما من رؤية السيدة سارة بيدر، فهذه الملتقيات وما سبقها وما سيتبعها خطوات ايجابية تشكر ، غير أنني أفضل شخصيا الفراغ أولا من حوارنا الداخلي الذي لا يزال إعلاميا نخبويا صرفا لا يلامس الجماهير التي يعنيها الأمر كما هو الحال بالنسبة للنخبة وصناع القرار ثم التوجه إلى الآخر(الإنسان بالدرجة الأولى) برؤى موحدة استراتيجية حول ما نرنو إليه تحديدا دون غموض وارتياب.
    شكرا للكاتب
    شكرا للغد
  • »الحق في أن يكون الإنسان مفهوماً.. (تيسير مشارقة)

    الثلاثاء 22 كانون الثاني / يناير 2008.
    الحق في أن يكون الإنسان مفهوماً..
    أشكرك أخي جمال الطاهات على هذه الاضافة النوعية بالحديث عن (الحق بأن يكون المواطن مفهوماً) وتجدر الإشارة إلى مركّب من الحريات والحقوق التي يعاني منها المواطن العربي ومنها: حرية الرأي ، وحرية التعبير، وحرية الصحافة ، والحق في استقاء المعلومات وتبادلها أو تداولها دون قيد أو شرط، والحق في الاعتقاد بالدين الذي نريد، والحق في الاتصال الذي كفلته الأمم المتحدة (اليونسكو) وظهر ذلك في وثيقتها المعنونة بـ(أصوات متعددة في عالم واحد) ويكون (الحق بأن يكون الانسان مفهوماً) ـ إضافة طاهات ـ لفتة وانتباهة ذكية لما آلت إليه الحريات وحقوق المواطن العربي من أزمات وعقد و ...

    دمتم بخير ولنكن على تواصل دائم.
    أخوك : تيسير مشارقة
  • »مؤتمرات للمجاملة (سارة بيدر)

    الثلاثاء 22 كانون الثاني / يناير 2008.
    يبدو أن الكاتب متفائل من هكذا مؤتمر. هذه المؤتمرات تكرر نفسها منذ زمن طويل ولا تعدوا كونها مصاريف لإرضاء الضمير وللدعاية الاعلامية وتعيد تكرير نفس الكلام ونفس التصريحات ونفس الأفكار. هذه مؤتمرات للمجاملة وللالتفاف على القضايا الحقيقية.