ما الذي يُعيق الديمقراطية في الأردن؟!

تم نشره في الخميس 17 كانون الثاني / يناير 2008. 03:00 صباحاً

اتهم 18.9% من العينة التي يَفترض مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أنها تمثل المجتمع الأردني، "الفساد المالي والإداري والواسطة والمحسوبية" بإعاقة الديمقراطية في الأردن، ومثّل هؤلاء نحو ضعف من اختاروا المسبب الثاني في إعاقة الديمقراطية، وهو انعدام الاستقرار الإقليمي.

وإذا كنا نجادل بأن إجابات المستطلَعين في المسوحات التي درج المركز على تنفيذها منذ سنوات حول ما يسميه "التحول" الديمقراطي في الأردن، هي إجابات غير مفيدة، لأن الاستطلاع يسألهم تقييم أمور لم يخبروها، وتصوّر قضايا لا يتوقعون أن يُعاينوها على أرض الواقع فعلاً، ما يعني أن الإجابات تمثل انطباعات عامة أكثر مما تدل على مواقف حقيقية، تماماً كما ستمثل إجاباتُ أيّ منا عن رأيه في الحياة على المريخ مجرد انطباعات، فإننا يجب برغم ذلك أن نهتم بالإجابات عن الأسئلة التي تنطلق من التسليم بغياب الديمقراطية، والتي عرّفها أغلب المشاركين في الاستطلاع باعتبارها حريات سياسية ومدنية. ومن هنا تنبع أهمية الإجابات عن سؤال مسببات إعاقة الديمقراطية في الأردن.

يعتقد نحو خُمس المجتمع الأردني إذن، أن الانتهاء من الفساد سيضمن إقامة الديمقراطية. ويعتقد معظم أفراد العينة أن ما يعيق الديمقراطية يتمثل في مسائل لا علاقة لهم بها مباشرة، وتتصل جميعها بالقرار السياسي والإداري الذي لا يشاركون في اتخاذه. لكن ما دام للفساد كل هذا الدور، فهل يمكن أن نفهم لماذا لم تثبت أي تهمة فساد كبرى تؤثر على مسار الإصلاح الإداري حتى الآن؟.

نُجيب: لأن الفساد الذي يتناقض و"مسيرة الإصلاح" غير موجود كظاهرة في الأردن. ولا يعني ذلك أن الأردن ليس فيه فساد إداري، بل يعني أن ذلك الفساد مُشرّع، ولا يمثل مخالفة يُعاقب عليها، فهو مقبول أولاً في العرف الاجتماعي، وثانياً في حجم الصلاحيات والامتيازات التي تمنحها القوانين المرعية للمسؤولين الإداريين: كبارهم وصغارهم.

فبينما تتيح الأنظمة والتعليمات للمسؤول اتخاذ قرارات قد يبنيها هو على أساس المحسوبية، فإن العرف الاجتماعي لا يرفض التواسط والمحسوبية، وهذا طبيعي لأنهما نتيجة تلقائية وضرورية للثقافة الاجتماعية العصبية التي تُعرّف قيمة الفرد بنفوذ "الجماعة" التي ينتمي لها. و"الجماعات" في مجتعاتنا العربية تأخذ طابعاً قبلياً وطائفياً، ما يعني أنها لا تعترف فعلياً بالمؤسسية، وتنظر للقانون على أنه وسيلة لتقييد نفوذها وامتيازاتها لا لتنظيم حياتها، فيكون خرق القانون الذي عادة ما يُرتب الدور، ويستند على فكرة الكفاءة، فضيلة يُشجع عليها المجتمع.

ويمتد الأمر إلى ممارساتنا ذات الطابع السياسي، ولا يتوقف عند الإدارة وحسب. وأبرزها الطريقة التي يُفرز فيها المجتمع ممثليه السياسيين، فلا معنى لاختيار الأكفاء على قاعدة الانتماء للجماعة العصبية، لأن ذلك يجعل المجتمع في توتر دائم، أي في حالة من انعدام الاستقرار، كالتي نفترض أنها تنعكس من محيطنا الإقليمي على "تحولنا" الديمقراطي!.

قد يبدو مثل هذا الكلام مكروراً، لكن ادعاءاتنا المزيفة بالطهارة والإخلاص، تنكئ الجراح فعلاً. إن الذي يُعيق الديمقراطية حقيقةً هو الثقافة التي تقبل الفساد، وليس الفساد نفسه. فلا ديمقراطية من دون ثقافة الديمقراطية: أي ثقافة المؤسسات والقانون. ولا حرية من دون ثقافة الحرية: أي ثقافة الحق في الاختلاف والاعتقاد. فهل يحترم كل واحد منا النظام العام ومقتضياته وروحه، وهل يقبل كل منا حرية الآخرين في الاعتقاد من دون أن يمارس عليهم سلطته الأخلاقية المنطلقة من اعتقاده بفرادته وسعة أفقه؟!.

يقولون: إن بعض القوانين تشجع تلك الثقافة العصبية غير الديمقراطية، ومنها قانون الانتخاب. لكن هل يُجبرنا القانون أن ننتخب فعلاً؟ وهل يجبرنا على إفراز ممثلينا بطريقة عصبية بالضرورة؟ أزعم أن أكثر القوانين سوءاً لا يمكن أن يحول دون أن يعبر المجتمع عن صلاح ثقافته الديمقراطية، إن كان لديه ثقافة ديمقراطية، لكن ما نعانيه فعلاً هو فساد منغرس في ثقافتنا الاجتماعية، ثم عدم وجود نية حقيقية لا لدى مُشرّعي القانون ولا لدى غالبية أفراد المجتمع، لتغيير تلك الثقافة العصبية الفاسدة، التي يقول عنها كثيرون إنها تعبر عن أصالتنا!.

لم يتهم أيّ من المستطلَعين نفسه بالتسبب في إعاقة الديمقراطية. ما رأي مركز الدراسات الاستراتيجية أن يجعل ثقافتنا الاجتماعية غير الديمقراطية، أحد الخيارات المتاحة للمجيبين على سؤال معيقات الديمقراطية، في العام القادم؟ فلعل إبراز سبب المشكلة يُساهم في حلها ويقدم استطلاعات اكثر دقة.

samerkhraino@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا تؤخذ الديمقراطية بالنبوت (د. عبدالله عقروق\فلوريدا)

    الخميس 17 كانون الثاني / يناير 2008.
    لا تؤخذ الديمقراطيةبالنبوت بل هي تجارب وطن ، وتجارب حكومات ، وتجارب مواطنين .هناك اساسيات وثوابت لاية امة أن تحيا وتعيش .يجب على هذه الثوابت ان تأخذ طريقها السوي في التقدم .وعندما تتكامل نموها بين جميع الآطراف حينها نكون قد وضعنا انفسنا في المسار الصحيح.
    من الخطأ أن نضع العربة أمام الحصان.
    الديمقراطيىة مسئولية الدولة والمواطنين جميعا ..لها حقوق وواجبات ..عندما بتفهم المواطن هذه الحقوق وهذه الواجبات ، فالديمقراطية حينها تأتي تلقائيا.
    الديمقراطية تحتاج الى تثقيف ..أن فشل الآشتراكية في كل من سوريا ومصر ، هو أن الحكومتين اقدمت عليها دون تثقيف العامل والفلاح ، وتأهيلهما لها ..فبدون ان يكونا مثقفين ففشلا في ادارة الآرض، والمصنع
    وهندما يتقبل المواطن ان يسأل الدولة ماذا يمكنني أن أفعل لوطني ، حينها افهم أن الديمقراطية اتية.
  • »أخي المحب المحترم (سامر خير أحمد)

    الخميس 17 كانون الثاني / يناير 2008.
    الاستطلاع تحدث عما أسماه النظام العشائري وليس الثقافة العصبية المتناقضة شكلاً وروحاً مع ثنائية المؤسسات والقانون.
    لا ذنب للعشائرية إذا ظلت نظاما يحكم عادات وتقاليد مجتمعية، فليس من عاقل يدعو لإلغاء العشائرية في بيئتها ومجتمعها وإلا كان يريد تنميط المجتمع على هواه، فهل هذه دعوة ديمقراطية؟!
  • »معيقات الديمقراطية (محب لسامر)

    الخميس 17 كانون الثاني / يناير 2008.
    عزيزي سامر،
    اظن ان الاستطلاع تحدث عن النقطة التي تشير إليها. ويمكنك ان تقرأءه مرة أخرى بتمعن في المعيقات.

    محبك عن بعد
  • »الديمقراطية عادة ومهارة (ساندرا بسيط)

    الخميس 17 كانون الثاني / يناير 2008.
    الحركة بركة، حتى تتغير هذه الثقافة لا بد من تنشيط آليات الديمقراطية في كافة مناحي الحياة وليس الانتخابات فقط وعدم الانتظار فكلما انتظرنا كلما تكرست هذه الثقافة، فالديمقراطية مهارة وعادة. أكثر ما أثار انتباهي في الاستطلاع هو استمرار خوف الناس من انتقاد الحكومة، فلا ديمقراطية في ظل استمرار ثقافة الخوف. الديمقراطية ليست فقط مشاركة سياسية وانما نمط حياة ايجابي.