الإعلام الإسرائيلي بين تقريري فينوغراد

تم نشره في السبت 12 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 صباحاً

كما هو متوقع فمنذ اللحظة التي أعلنت فيها لجنة الفحص الإسرائيلية الرسمية لمجريات الحرب على لبنان، "لجنة فينوغراد"، أن تقريرها النهائي سيصدر في الثلاثين من الشهر الحالي، لم تتوقف وسائل الإعلام الإسرائيلية عن نشر التقارير والتحليلات و"التسريبات" حول ما يمكن أن يكون بعد صدور هذا التقرير.

وكما ذكر في المعالجة السابقة، قبل بضعة أيام، فإن هذا التقرير من شأنه أن يحدد مصير رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، وأيضا مصير حكومته، وما تزال كل الاحتمالات التي جرى عرضها في تلك المعالجة واردة.

ونذكر أيضا أن تقريرا مرحليا للجنة ذاتها كان قد صدر في الثلاثين من شهر نيسان (أبريل) من العام الماضي، أي أن التقرير النهائي الذي كان من المتوقع ان يصدر بعد ثلاثة اشهر من التقرير المرحلي، يصدر بعد تسعة اشهر.

وفي هذه الفترة تغيرت الكثير من الأمور، خاصة على صعيد الأجواء العامة الإسرائيلية، وبالذات في وسائل الإعلام، التي تلعب دورا مركزيا وأساسيا في صنع الرأي العام في إسرائيل.

فقبل صدور التقرير المرحلي، كان شبه إجماع في وسائل الإعلام الإسرائيلية يطالب رئيس الحكومة أولمرت بالاستقالة، وبطبيعة الحال في ظل أجواء كهذه، فإن نتائج استطلاعات الرأي في حينه لم تكن على غير حال، فقد تراوحت نسبة مطالبة أولمرت بالاستقالة من منصبه ما بين 65% إلى 72%.

ولكن ما نشهده في الصحافة ووسائل الإعلام اليوم مختلف بقدر كبير عما كان عليه الحال قبل تسعة أشهر، وإن ما تزال هناك أصوات جدية في الحلبة الإعلامية تطالب أولمرت بالاستقالة، فإن هناك أصواتا وأقلاما لامعة من صناع الرأي الإسرائيليين، يجاهرون بموقفهم القائل بأن لا حاجة لاستقالة أولمرت ويدافعون عنه.

وهناك كم كبير من المقالات والتحليلات التي تجاهر بموقف داعم لأولمرت رغم شعبيته المتدنية، ومن بينهم الكاتب والمحلل البارز في صحيفة "يديعوت أحرنوت" سيفر فلوتسكر يكتب مقالا في صحيفته يبدأه بعبارة: "لأسفي فلدي رأي شاذ حول الحرب الثانية على لبنان".

ويدافع فلوتسكر عن قرار شن الحرب، ويقول إن في كل حروب إسرائيل وقعت أخطاء، ولكن بعد عام ونصف العام على انتهاء تلك الحرب يتضح أنها خلفت لإسرائيل ظروفا أفضل، ويختتم مقاله كاتبا، إن على أولمرت ألا يفكر بالاستقالة بعد صدور التقرير النهائي لفينوغراد، "فالحرب الثانية على لبنان ليست سببا لإقالته من منصبه".

أما الكاتب السياسي البارز في صحيفة "هآرتس" يوئيل ماركوس، فقد صعّد في عدد يوم الجمعة الأخير لهجته الدفاعية عن أولمرت، وقال ان جنرالات حرب كبارا أخطأوا أيضا في قراراتهم حين كانوا بمنصب وزير للحرب، مثل يتسحاق رابين وإيهود باراك.

كذلك فإن ماركوس شكك بنزاهة اللجنة، متهما إياها بوضوح أنها تخدم اليمين الإسرائيلي وذلك حين اختتم مقاله كاتبا: "في ظل التزامه (أولمرت) للرئيس جورج بوش بأن يزيل البؤر الاستيطانية (في الضفة الغربية)، فلن نستغرب ما إذا التقرير النهائي لفينوغراد، وبدلا من أن يكون عادلا ومنصفا، أن يقود لوصول اليمين المتطرف وبنيامين نتنياهو إلى الحكم".

ومن يتصفح أكبر الصحف الإسرائيلية، يديعوت أحرنوت، وأيضا صحيفة النخبة في إسرائيل "هآرتس"، الثالثة من حيث حجم التوزيع، فلن تكون "مخاطرة" إذا استنتجنا ان الصحيفتين بالمجمل تدعمان أولمرت، بالجو العام.

ومما يدعم هذا الاستنتاج هو ما بتنا نقرأه من نتائج لاستطلاعات الرأي في تلك الصحيفتين، على وجه الخصوص، ولا يمكن القول أنها استطلاعات مفبركة، ولكن المستطلعين فيها، كما هو معروف في إسرائيل يتأثرون من الأجواء التي تطغى على وسائل الإعلام.

ففي استطلاع صحيفة "هآرتس" قرأنا أن 39% فقط من الجمهور باتوا يؤيدون انتخابات برلمانية مبكرة بعد صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد، فيما قال 31% إنهم يؤيدون استبدال رئيس الحكومة من دون انتخابات مبكرة، وقال 23% أنهم يؤيدون بقاء أولمرت رئيسا للحكومة، في حين ان هذه النسبة كانت قبل تسعة أشهر، وكما ذكر هنا، تتراوح ما بين 65% إلى 72%.

كذلك فإن استطلاع "هآرتس" وأيضا "يديعوت أحرنوت" تطرقا إلى السؤال الأهم الذي يساهم في بقاء حكومة أولمرت، وهو بقاء حزب "العمل" في الحكومة، وتبين ان نسبة الجمهور التي تطالب هذا الحزب بالانسحاب من الحكومة تراجعت هي الأخرى، لتتراوح ما بين 46% إلى 52%، في حين أن هذه النسبة كانت قبل تسعة أشهر تتراوح ما بين 70% إلى 80%، ورأينا أن المعارضة بين مصوتين لحزب "العمل" للانسحاب من الحكومة اتسعت، لتتراوح ما بين 56% إلى 61%.

ولكن هذا المشهد لا يسري على الصحيفة الثانية في إسرائيل، "معاريف"، التي ما تزال تقف ضد أولمرت، ونتائج استطلاعاتها تتماشى مع موقفها، وإن كانت ما تزال أكثرية مطالبة بانتخابات برلمانية مبكرة في استطلاعات "معاريف"، فإنها أقل بكثير عما كانت عليه قبل تسعة أشهر.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ما الذي أدى إلى هذا التغيير؟ هناك عدة عوامل تساهم في هذا التغيير، ومن بينها، أنه منذ انتهاء الحرب، وكما جاء في معالجة سابقة، كان واضحا ان أولمرت سيرتكز على النتائج بعيدة المدى للحرب، وهذا ما يلوّح به أولمرت في الآونة الأخيرة، وهذا ما سيكون في صلب خطابه في اليوم التالي لصدور تقرير فينوغراد، بمعنى انه سيقول إنه بعد عام ونصف العام، هناك هدوء على الحدود من لبنان لم تشهده إسرائيل منذ سنوات طويلة، وهذا ما يتبناه العديد من المحللين أيضا.

كذلك فإن الأوضاع الداخلية في إسرائيل، وبشكل خاص الأوضاع الاقتصادية قد تحسنت، وبالذات لدى الشرائح الغنية، وذات المداخيل العالية، وأيضا بقدر ما الشرائح المتوسطة، وهي الشريحة الأكبر، وكلها شرائح مسموعة وذات تأثير، في حين أن الشرائح الفقيرة والضعيفة، التي ما تزال محرومة، نسبيا ومقارنة بغيرها، من ثمار النمو، صوتها يبقى خافتا، وغير مؤثر في تركيبة المجتمع في إسرائيل.

ونستحضر في هذا المجال ما كتبه المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ألوف بن، في اليوم التالي لصدور التقرير المرحلي للجنة فينوغراد، وكتب حينها: "حين تكون جيوب المواطنين ملآى، فإنهم لن يكونوا معنيين بتغيير أي وضع قائم"، وهذا على ما يبدو يتحقق اليوم.

كذلك فإن المستفيد الأكبر من الظروف الاقتصادية، أي كبار أصحاب رأس المال، يلعبون دورا، من وراء الكواليس، في محاولة للحفاظ على استقرار سياسي، لئلا يختل الاستقرار الاقتصادي السائد في إسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة.

إلى جانب كل هذا، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية تلمح بشكل يومي إلى أن الإدارة الأميركية معنية ببقاء حكومة أولمرت، وأنها تحاول التأثير على شركاء أولمرت في الحكومة، وخاصة وزير الحرب إيهود باراك، وغيره من وزراء اليمين المتطرف.

وقالت الصحف الإسرائيلية إن بوش قال بوضوح للوزراء الإسرائيليين خلال وجبة عشاء معه في القدس المحتلة، "إن عليهم ان يحافظوا على أولمرت"، إلى أن حصل على بطاقة من وزيرة خارجيته كونداليسا رايس تقول له: "أغلق فمك"، وقرأها بوش بصوت عال وضاحك، حسب ما ذكرته "يديعوت أحرنوت".

والسؤال المطروح حاليا، كيف سيستثمر أولمرت أجواء كهذه ليعززها وتحميه في يوم الشدة، يوم صدور التقرير.

صحافي وكاتب- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق