إسرائيل ليست عنصرية؟

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

 

اخترت هذا العنوان الزائف معترفا "بعجزي" عن إيجاد عنوان جديد لمجموعة من الحقائق الموثقة، التي ظهرت في الأيام الأخيرة، حول مدى سياسة التمييز العنصري التي يعاني منها فلسطينيو 48، وانعكاسها على حياتهم اليومية بشتى الميادين، ليضاف إليها اتساع أجواء المطالبة الإسرائيلية بترحيلهم من وطنهم.

ولربما ليس "العجز" وحده كان من وراء العنوان، بل أيضا محاولة "خبيثة" للتسلل إلى الأجواء العامة العربية، والى جدول أعمال المنظمات العالمية المهتمة بحقوق الإنسان، خاصة وأننا غائبون عن التقارير الدولية بهذا الشأن، وإن كان لنا حضور فيها فهو حضور هش من باب "رفع العتب".

في الأيام القليلة الماضية ظهر في إسرائيل تقريران لجمعيتين إسرائيليتين، الأول من "جمعية حقوق المواطن في إسرائيل"، والثاني من مركز "أدفا للمعلومات والعدالة الاجتماعية"، يسلطان الضوء على قضايا حقوق الإنسان، والقضايا الاجتماعية في إسرائيل، ولكن مع تركيز خاص على أوضاع فلسطينيي 48 في الكثير من النواحي، وقد نُشر عنهما في "الغد".

فتقرير جمعية حقوق الإنسان صدر بعنوان واضح وبارز، وهو استفحال عنصرية اليهود في إسرائيل تجاه فلسطينيي 48، وخاصة في أوساط الجيل الشاب، ومن أكثر مؤشرات هذا التقرير خطورة، هو أن 51% من اليهود أعلنوا أنهم يؤيدون "تحفيز" العرب(فلسطينيي 48) على الهجرة من وطنهم، في حين ان هذه النسبة في تقرير آخر، "لمعهد الديمقراطية في إسرائيل"، الذي ظهر في منتصف السنة الحالية المنتهية، وصلت إلى 55%.

ويشير التقرير إلى أن 75,3% من اليهود أعلنوا أنهم لا يوافقون على السكن بجوار عرب، وقال 61,4% إنهم ليسوا على استعداد لاستضافة عربي في بيتهم، وطالب 55,6% بإقامة متنزهات منفصلة لليهود والعرب.

ويسلط التقرير الضوء على نظرة الشبان اليهود تجاه العرب، ونرى69% منهم يعتقدون أن العرب ليسوا أذكياء، ويعتقد 75% أن العرب ليسوا متعلمين وليسوا مثقفين، وعديمي الأخلاق وأنهم عنيفون، وقال 74% إن العرب ليسوا نظيفين.

ويؤكد التقرير أن جميع النسب الواردة فيه مرتفعة عن نسب السنوات السابقة بشكل ملحوظ وكبير، ويؤكد التقرير ذاته، أن هذه النتائج هي انعكاس مباشر لحملة التحريض العنصري المنفلته، التي يقودها كبار ساسة إسرائيل، بدءا من كبار الوزراء مرورا بأعضاء كنيست (برلمان) وحتى أحزاب وأطر سياسية قائمة على أساس العداء للعرب.

وفي الأشهر الأخيرة يشهد الكنيست الإسرائيلي سباقا بين مجموعة من أشرس العنصريين من أعضائه لسن قوانين عنصرية نموذجية، وكثير من هذه القوانين تحظى بدعم حكومي مباشر، أو غير مباشر، كأن يتم "إفساح حرية التصويت" لأعضاء الائتلاف الحكومي، بمعنى ضوء اخضر لدعم هذه القوانين.

وقد أقر الكنيست بمستويات مختلفة من مراحل التشريع، في الآونة الأخيرة، ما لا يقل عن 15 قانونا من هذا النوع، ومن بينها قانون يجري تشريعه نهائيا، يقضي بحرمان بيع أراض للعرب، هي "بعهدة" إحدى المنظمات الصهيونية، رغم أن الغالبية الساحقة من هذه الأراضي كانت بملكية فلسطينية خاصة، وتمت مصادرتها مع قيام إسرائيل والسنوات التالية، وهناك مشاريع قوانين عنصرية تنتظر طرحها على الهيئة العامة للكنيست، ومن الصعب حصرها.

ويتوقف التقرير مليا عند قضية القرى الفلسطينية التي ترفض السلطات الرسمية الاعتراف بوجودها على الخارطة، رغم أنها قائمة منذ عشرات ومئات السنين، وقبل قيام إسرائيل نفسها، وتحرمها من جميع مقومات الحياة من بنى تحتية وخدمات حياتية أساسية من صحة وتعليم، وتلاحق أصحاب البيوت، وتهدم سنويا مئات البيوت في هذه القرى لحمل أبنائها على الرحيل، ونحن نتكلم عن حوالي 45 قرية في صحراء النقب جنوبا، ويسكنها أكثر من80 ألف فلسطيني، وحوالي10 قرى في شمال البلاد.

أما التقرير الآخر، فهو تقرير مركز "أدفا" الإسرائيلي السنوي، الذي استعرض الأوضاع الاجتماعية بشكل عام، ولكنه سلط ضوءا خاصا على أوضاع فلسطينيي 48، ولنجعل الأرقام تتحدث وحدها.

فبعد تحليل لمعطيات التقرير يتضح أن90% من العائلات العربية في إسرائيل يبلغ معدل مداخيلها الشهرية من محيط معدل الرواتب وما دون، وكلما هبطت نسبة الرواتب كانت نسبة العرب اكبر.

ويؤكد التقرير أن معدل الرواتب عند العرب يساوي70% من معدل الرواتب العام، و50% من معدل رواتب اليهود الاشكناز(الغربيين)،كذلك فإن معدل البطالة بين فلسطينيي 48 يساوي تقريبا 14%، مقابل 4,5% بين اليهود.

يشار هنا إلى أن التقرير الإسرائيلي السنوي الرسمي الأخير حول معدلات الفقر، أكد أن معدل الفقر بين فلسطينيي 48 أكثر من ضعف المعدل العام في إسرائيل، وبتجاوز أحيانا ضعفي نسبة الفقر بين اليهود، ففي حين ان نسبة الفقر العامة هي20%، فإنها بين اليهود في حدود 15%، ولكنها بين العرب تصل إلى 45%، وفي حين ان نسبة الفقر العامة بين الأطفال 32%، فإنها بين الأطفال اليهود في حدود 22%، وبين الأطفال العرب 64%، والقائمة تطول.

وهذه الأوضاع الاجتماعية تسري أيضا على أوضاع التعليم، إذ يعاني جهاز التعليم العربي في إسرائيل من نقص حاد في الميزانيات، وفي هذه المرحلة هناك نقص بخمسة آلاف غرفة تعليمية(حوالي 275 مدرسة) والمدارس العربية القائمة ليست بمستوى المدارس اليهودية من حيث المباني والبنى التحتية والمرافق.

ونتيجة لحجب الميزانيات وغيرها من أساليب التمييز، هناك فجوة كبيرة في التحصيل العلمي بين الطلاب العرب واليهود، فالغالبية الساحقة من البلدات الفلسطينية كانت فيها نسبة النجاح في المرحلة التوجيهية من المعدل العام46% وما دون.

ويؤكد تقرير "أدفا" أنه في حين أن 24,7% من اليهود الاشكناز يتوجهون إلى المعاهد الأكاديمية في إسرائيل، فإن هذه النسبة بين العرب تهبط إلى 12,2%، وهذا ناجم عن التحصيل العلمي، ولكن أيضا بفعل التضييقات التي تفرض على الطلاب العرب لدى تقدمهم بطلب الانتساب للجامعات الإسرائيلية.

طبعا هذا غيض من فيض المعطيات، ولكن من هنا نعود إلى النسبة الأولى التي ذكرناها في هذه المعالجة، وهو تأييد 51% من اليهود "لتحفيز" فلسطينيي 48 على الهجرة من وطنهم، فلو طرح هذا السؤال على شخصيات سدة الحكم في إسرائيل لسمعنا منهم عبارات رافضة، وكلاما"معسول".

ولكن على أرض الواقع فإن الهدف الأساسي والاستراتيجي لسياسة التمييز العنصري، وما نلمسه ونعايشه من نتائج لها هو "تحفيز" الفلسطينيين على الهجرة، أو جعلهم في الهامش غير المؤثر، غير القادر على مقاومة السياسة العنصرية، من أجل "إصلاح" ما اعتبره قادة الحركة الصهيونية، ومن بينهم دافيد بن غريون، "خطأ إبقاء150 ألف فلسطيني في مناطق 48 بعد النكبة".

فكلمة "تحفيز" بقيت عامة، ولم يكن الاستطلاع العلمي جريئا كاستطلاع سابق تطرق إلى أساليب هذا "التحفيز" حيث برزت نسبة كبيرة تؤيد "التحفيز" بالقوة، ولكن قادة إسرائيل يعون جيدا ان ما جرى في العام 1948 لا يمكن تكراره بنفس الشكل، ولهذا فإنهم يتبعون أساليب أشد قسوة تلائم "روح العصر".

نشير هنا إلى أن فلسطينيي 48 لم يجلسوا في أي لحظة في "ركن البيت" يندبون أحوالهم، بل عرفوا كيف يقاومون بأساليبهم هم، وعلى الرغم من كل المعطيات السابقة، فإن هناك نسبا مشجعة تشير إلى ارتفاعات حادة في تطور مجتمع فلسطينيي 48، بشتى الميادين، ولربما أن هذا أحد أسباب تصاعد الأجواء العنصرية العدوانية الإسرائيلية.

صحافي وكاتب ومراسل الغد في الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق