يوم مكافحة الفساد

تم نشره في الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

يوم أمس كان اليوم العالمي لمكافحة الفساد، وهذا يعني ان العالم كله يشكو من الفساد، وهذا طبيعي؛ فالفساد هو استحقاق لطبيعة النفس البشرية التي تراوح بين الخير والشر، وأينما وجدت السلطة مع غياب الرادع الاخلاقي والديني والقانوني كان باب الفساد مفتوحا، والسلطة ليست فقط المواقع الرفيعة بل قد تكون السلطة احيانا صينية الشاي والقهوة التي يحملها موظف الخدمات في أي مؤسسة رسمية أو خاصة.

ولعل الخطوة الاولى في ادارة الحرب مع الفساد تكمن في رفض المجتمع الفساد، ولهذا يكون السؤال الاول والأهم أن يملك كل مجتمع اجابة واضحة: هل نرفض الفساد رفضا حقيقيا؟ قد نتحدث جميعا عن الفساد ونشتمه ونطالب بالحرب عليه, لكن هل يعني هذا اننا نرفض الفساد؟ والاجابة تحددها محكات واختبارات: أي لو عرض على احدنا مهما كانت سلطته ان يمارس الفساد وبشكل يعود عليه بالمصلحة هل يرفضه؟

لعل كل مواطن من أعلى الهرم إلى ادناه عليه أن يسأل نفسه هذا السؤال بشكل غير معلن، ومجموع الاجابات الصادقة هي التي تحدد موقف كل مجتمع من الفساد، فكلنا نتحدث عن فساد الكبار وعن هدر المال العام واستغلال السلطة لاتخاذ قرارات ادارية محصلتها فساد وإعطاء اشخاص حقوقا ليست لهم، لكننا قد نجد مواطنا يشتم الفساد لكن ان اتيح له التحايل على المال العام من خلال الحصول على مياه دون ثمن او تعطيل ساعة الكهرباء او استغفال مواطن آخر واستغلاله او إعطاء ابنه وظيفة ليست له أو غيرها من أشكال الفساد حتى وان كانت صغيرة الحجم فإنه لن يمانع, ورغم ان مردود هذا الفساد قليل الا ان العبرة في الرغبة والاستعداد لممارسة الفساد.

قد يقول قائل ان مجموع ما يأخذه صغار الفاسدين لا يساوي عملية واحدة لأحد الكبار وهذا صحيح, لكن كلا النوعين فاسد، وهذا يعني ان الحرب على الفساد لا تكون شاملة او حقيقية بل هي صعبة، ويجد "كبار الكسبة" من الفاسدين حولهم "صغار الكسبة" الذين لديهم الاستعداد للمشاركة في الفساد مقابل ثمن حتى لو كان تافها.

وخطورة الفساد الحقيقية ليست في كميات ما يتم استلابه من المال والادارة، بل في انه نقيض للعلاقات السوية بين الشخص ووطنه، فمن يسرق بلده وهو يعلم انه يضعفه ويصيبه في مقتل فإنه لا يمكن ان يكون منتميا، فليس معقولا أن تكون سارقا فاسدا تهدم بلدك وبعد ساعات ترفع صوتك في الغناء والمديح والحديث عن الانتماء. وهذا ما يفسر تغير اشكال العلاقات بعد توقف اشكال المنافع وابواب السلطة والمال.

وفي يوم مكافحة الفساد نتذكر أن هناك فاسدين وهنالك مفسدين، والمفسد أكثر خطورة لكنه يحتاج في عمله إلى طبقة من الفاسدين يقدم لهم أثمانا، لكنه يحتاج أولا إلى إفساد من حوله لتتحول البيئة كلها الى بيئة فساد، واذا كانت آفة المخدرات تضم تجارا ومروجين ومتعاطين، فإن المفسد يضم كل هذه النوعيات وفساده مرعب.

والفساد ليس مالاً تتم سرقته، لكنه تطور الى اشكال ومستويات, فهنالك الفساد السياسي الذي يؤدي الى هدر قيمة المؤسسات، او الى تجيير السياسة لتصبح في خدمة بعض المصالح, او الى صناعة اصحاب قرار في عالم السياسة دون كفاءة او قدرة.

ومنه الاداري، فالقرارات الادارية التي تمنح مواقع وتعطي ألقابا أو تمنح تسهيلات وتراخيص دون وجه حق كل هذا جزء من منظومة الفساد.

لا نستطيع أن نحصر اشكال الفساد وأنواعه لكنه ثقافة وبنية اخلاقية، فالفساد لا يتوفر او ينمو وسط اصحابه إلا إذا أمنوا العقوبة او وجدوا غطاء، او كانت التشريعات ضعيفة وسهلة الاختراق, لكن الخطير أيضا ان يكون الفساد البسيط هو هدف الحرب للتغطية على الفساد الكبير، وأن تحمر الوجوه ويظهر الغضب، عندما يمارس مواطن صغير فسادا من النوع البسيط، بينما يجد الفاسد أو المفسد الكثير من الاستثناءات والحماية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المال السايب بعلم السرقة (WASP)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    متى كانت اخر مرة تم سؤال احد المسؤولين "من اين لك هذا؟" و متى كانت اول مرة اصلا؟!
    المثل يقول: اللي اله لسان ما بتوه... بس هاي الايام صار اللي اله لسان يتوه و يختفي... غريبة الدنيا، صارة حارة كل من ايده اله. و صحتين و عافية
  • »تعليق من الشرع (محمد درباشي)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    "لكن الخطير أيضا ان يكون الفساد البسيط هو هدف الحرب للتغطية على الفساد الكبير، وأن تحمر الوجوه ويظهر الغضب، عندما يمارس مواطن صغير فسادا من النوع البسيط، بينما يجد الفاسد أو المفسد الكثير من الاستثناءات والحماية."
    قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذ سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد"
  • »الفساد (د.عمر دهيمات)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    نشكر السيد سميح على أراه الخلاقةولكن لا بد من الاشارة إلى هروب أعداد كبيرة من المؤهلين في بلدنا العزيز هو الخوف من التغيير الذي يمنع الاجيال الشابة الراغبة في العمل من التقدم ويبدو ان أحد اهم الاسباب هو عدم رغبة فئة مستفيدة من موقعها من السماح لوجوه جديدة فهل يعقل أن يكون رئيس أطباء في مستشفى ما مخلدا او ان تكون اللجان في المجالس الطبية من نفس المجموعة.حتى يشعر المسؤل عندنا أنه سيحاسب وأنة شخص مستغنى عنة أذا إستغل فإن الوضع لن يتحسن.
  • »موطن الفساد (خالد)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    والله اخ سميح انا جدا معجب بمقالاتك ومثل ما اسلفت انت الفساد موجود في كل مكان بس الفساد اللي بتعيشة عاصمتناالحبيبه ما شفت له مثيل والدليل مجمع رغدان السياحي والمحطه وياريت تجي وتشوف بعينك كيف حال المجمعات فمجمع المحطة صار بؤرة فساد يسئ لعاصمتنا الغاليه ورغدان السياحي ملعب كره و؟؟؟؟؟؟؟؟ وخليها على الله
  • »حرام دينيا (ب .ج)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    اصلا الفساد حرام دينيا مين برضى على نفسه ان ياكل مال حرام او يعطي وظيفه لغير مستحقها اصلا راتبو كلو حرام وبيطعمي اولاده مال حرام وفوق هيك عقاب اليم في القبر ويوم القيامه ناهيك عن الابتلاءات التي يصيبيها الله عز وجل له في الدنيا باولاده وبيته وصحته ووفاه ابناءه او زوجته او اصابتهم بعاهات دائمه .. هو حر الي ما بخاف الله يتلقى المصائب والاثم كما ان رجل الفساد رجل بعيد عن الدين ويبوء بغضب من الله.. اتعظ وتذكر عقاب الله وتوب الى الله قبل فوات الاوان. الخاسر الوحيد هو انت يا مفسد في الدنيا وفي القبر وبالاخره.. انت حر انا بلغتك وذكرتك.
  • »نريد ندوات تلفزيونيه لمكافحه هذه الافه (د. فيصل الشلبي)

    الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    شكرا لك استاذ سميح على هذا المقال الطيب وكم كنا نود من عدد كبير من الصحفيين ان يكتبوا عن الفساد وتعريف الناس بمختلف وجوهه وصوره. من خلال صحيفتكم الغراء فانني اناشد التلفزيون الاردني ان يعمل على رعايه عدد من الندوات الهادفه الى التوعيه و تبصير الناس بكيفيه التحصين من افه الفساد والمحسوبيات وكيفيه محاربتها على ان يكون المتحدثون في هذه الندوات من يشهد لهم الوطن بالنزاهه والاخلاص وما اكثرهم في بلدنا. لا نريدان يخرج علينا في هذه الندوات ان نظمت منظرين ومفسدين ليعلمونا كيف نكافح الفساد فهم معروفين وهم كثر ايضا.
    مع الشكر الجزيل
    د. فيصل الشلبي /كليه الهندسه/ الجامعه الهاشميه