إسرائيل وإيران والعنزة

تم نشره في الاثنين 10 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

وقع تقرير الاستخبارات الأميركية الأخير، الذي قال إن إيران أوقفت مشروعها للتسلح النووي منذ العام 2003، كالصاعقة على قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين، ناسفا الكثير من الأوراق التي أعدها الإسرائيليون لترويجها في الأسرة الدولية، وتجنيد الدول لفرض عقوبات على إيران، إلى درجة التحريض على توجيه ضربة عسكرية.

فقد أمسك هذا التقرير قادة إسرائيل في واحدة من أكثر الفترات التي يحتاجون فيها إلى إشغال العالم بحلبة أخرى بعيدة عن الصراع الشرق أوسطي، وتساهم في تبرير عدم ممارسة الضغوط الدولية على إسرائيل، بمفاهيم التوازنات الدولية المختلة، للتقدم بالعملية التفاوضية مع الجانب الفلسطيني.

هذه الفترة التي من المفترض ان تبدأ فيها مفاوضات الحل الدائم بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، التي وإن لم تفض إلى شيء، على الأقل مرحليا، إلا أن مجرد طرح الملفات الأساسية للحل الدائم على جدول أعمال هذه المفاوضات يعتبر بحد ذاته تقدما محرجا من منظور إسرائيلي، رغم تواضعه من منظور فلسطيني.

وكانت البلبلة في رد الفعل الإسرائيلي على المستويين السياسي والعسكري واضحة للغاية، فرد الفعل الفوري الذي صدر عن رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، ووزير الأمن في حكومته، إيهود باراك، ومعهما "مصادر" في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، هو التشكيك في مصداقية التقرير الأميركي، داعين إلى مواصلة المساعي لفرض عقوبات دولية على إيران، ومنهم من ادعى أن لا مجال لإسقاط الخيار العسكري ضد إيران، أي تصريحات تصر على أن إيران تواصل مشروعها التسلحي النووي، وتنسجم مع مثلنا الشعبي، "عنزة ولو طارت".

وبعد صدور تأكيدات وتصريحات أميركية داعمة للتقرير الاستخباراتي الأميركي، الذي يؤكد ان إيران أوقفت مشروعها التسلحي، وأن مشروعها في هذه المرحلة مدني، تراجعت حدة التصريحات الإسرائيلية الرسمية، ولكن علامات البلبلة ما تزال واضحة.

وأمام هذا المشهد خصص كبار المحللين وصناع الرأي الإسرائيليون مقالاتهم في نهاية الأسبوع المنصرم، لهذا التقرير ورد الفعل الإسرائيلي، وطغت على غالبية المقالات والتحليلات روح السخرية من قادة إسرائيل الحاليين والسابقين، إلى جانب الانتقادات الواضحة والمباشرة، لكونهم أغرقوا الجمهور في إسرائيل في حالة رعب دائم.

ويقول المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، "من الصعب التقليل من أهمية الضربة التي وقعت هذا الأسبوع على (رئيس الحكومة) إيهود أولمرت، وعلى سياسته، إنها ضربة استخباراتية، فلو أراد أولمرت ان يستخدم الورقة الإيرانية لتوجه الولايات المتحدة ضربة عسكرية للمفاعلات النووية الإيرانية... فإنه قد خسر هذه الورقة".

ويقول بن في مكان آخر من مقاله الذي نشره في نهاية الأسبوع، وتعليقا على الرد الإسرائيلي الرسمي الرافض لاستنتاج تقرير الاستخبارات الأميركية، "إن طوفان ردودهم (ساسة إسرائيل) بدا وكأنه تذمرات من اسطوانة قديمة مليئة بالغبار، وانتقلنا من عهد آمن فيه العالم بأن إيران تسعى لسلاح نووي، إلى عهد فيه مدينة القدس (المحتلة كعاصمة) تشعر بحرج".

وتقول محللة الشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرنوت" سيما كدمون، ان تقرير الاستخبارات الأميركية أفسد فرحة أولمرت بعد أنابوليس، بعد أن رأى شعبيته بارتفاع، وأن الشرطة أوصت بإغلاق احد الملفات المشبوهة بالفساد ضده، وتنتقد بشدة تمسك قادة إسرائيل بموقفهم الرافض للتقرير الأميركي.

وتكتب كدمون: "إذا لم يكن هذا الأمر محزنا إلى درجة كبيرة، فإنه من المؤكد مضحك، فبدلا من أن نخرج من الملاجئ، وأن نتنفس هواء نقيا، ونفرح بأن التهديد الإيراني تأجل على الأقل لعدة سنوات، فإنهم فرضوا علينا جوا من خيبة الأمل، وكأن أحدا ما (التقرير الأميركي) قد ضللنا".

وتمسك كدمون قادة إسرائيل من جانبهم الضعيف، فهي بداية تضع الفرضية الأمنية التي تقف من وراء الموقف الإسرائيلي المتعنت، وهي أن إسرائيل لا تريد تخفيف الضغط على إيران حتى تتضح الصورة، ولكنها، وهنا بيت القصيد، تؤكد وجود أهداف حزبية لإثارة وتضخيم الملف الإيراني النووي.

وتقول كدمون ما بين السخرية والنقد الحاد، "يوجد هنا الكثير من المصالح الحزبية الواضحة، الكثير من السياسيين (الإسرائيليين) ترزقوا على الملف الإيراني"، وتضيف، "فما الذي سيتمسك به وزير التهديد الاستراتيجي أفيغدور ليبرمان، إن سقط هذا التهديد عن جدول الأعمال؟.... وأي ذريعة ستبقى لإيهود باراك (وزير الأمن) لكي يبقى في الحكومة، وماذا عن بنيامين نتنياهو (زعيم المعارضة اليمينية) وعن مسيرته الترهيبية؟.

وينضم إلى كدمون، زميلها في صحيفة "هآرتس"، يوسي فيرطر، الذي لم يوفر هو الآخر أية سخرية تجاه نتنياهو، الذي اعتبر الملف الإيراني ملفه الأول، وأنه الوحيد القادر على إنقاذ إسرائيل من التهديد الإيراني.

وهذا الموقف الإسرائيلي ليس صدفة، لأن التقرير الأميركي الاستخباراتي حرق لإسرائيل أبرز مناورة تستخدمها منذ سنوات من أجل حجب نظر العالم عن القضية المركزية في الصراع الشرق أوسطي، لا بل وحجب النظر عن مشروع إسرائيل النووي، الذي لم يتوقف منذ منتصف سنوات الخمسين من القرن الماضي.

إلى ذلك فإن قادة إسرائيل استخدموا الورقة الإيرانية في الحلبة الداخلية الإسرائيلية لتعميق النهج الصهيوني المستمر منذ عشرات السنوات، وحتى قبل تشكيل إسرائيل، بمعنى جعل اليهود في العالم في حالة رعب دائم من الغير، ليلتصقوا أكثر إلى رمز القوة، الحركة الصهيونية ومن ثم إسرائيل، ليخلصهم "من الخطر الداهم على وجودهم".

مما لا شك فيه أن طواقم التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلية ستشرع في هذه الأيام في البحث عن مخرج للحرج الإسرائيلي الناشئ، والبحث عن أوراق جديدة تطرحها أمام الأسرة الدولية لإشغالها بها.

وقد لا نتفاجأ، كما علمت التجربة، أن نسمع بعد فترة عن تقرير إسرائيلي مناقض للتقرير الأميركي، أو أن تسعى إسرائيل إلى توتر جديد على إحدى الحلبات المشحونة بشكل دائم في المنطقة، وعلى رأسها الحلبة الفلسطينية، مثل اجتياح حربي لقطاع غزة، بهدف خلق مبررات جديدة للابتعاد من جديد عن دائرة مفاوضات جدية تقود إلى إبرام حل دائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والإسرائيلي العربي. 

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق