د.باسم الطويسي

الخليج الجديد وإيران القديمة

تم نشره في الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر 2007. 03:00 صباحاً

الخليج العربي الجديد يولد عبر عملية تاريخية تشهد هذه المرحلة أوجها، يولد مرة أخرى بعد ثلاثة عقود ونصف العقد من عهد الاستقلالات، ويولد بفعل إرادته ومرغماً في نفس الوقت، بإدراك من نخبة السياسة، وفي أحيان أخرى بإدراك متواضع لجوهر التحولات الحضارية والاقتصادية الاستراتيجية التي تعصف بكل شيء داخله ومن حوله.

القمة الثامنة والعشرون التي عقدت في الدوحة تحمل دلالات الولادة الجديدة؛ لعل أولها إعلان السوق الاقتصادية الخليجية المشتركة، والتوجه نحو عملة خليجية واحدة، وظهور نمط من سياسات المصالح الأكثر معافاة بالمقارنة مع مراحل سابقة.

يحدث ذلك، في ضوء ما وظفته الفوائض النفطية من تراكم هائل من الثروات مع استمرار أزمة التنمية ومجالات توظيف هذه العوائد، ومع تعاظم مصادر التهديد وازدياد حدة الاستقطاب الدولي والإقليمي المجاور، ويحدث ذلك أيضا  في ضوء ازدياد الشعور بالقلق والخوف من القادم في بيئة تتكدس فيها وحولها أكبر ترسانات الأسلحة والجيوش الوافدة، بينما لا يزال نموذج التعاون الإقليمي الذي يمثله مجلس التعاون على تواضع انجازاته التجربة الوحيدة الناجحة في التعاون الإقليمي العربي، بعد أن فشلت كل التجارب العربية التي حاولت اللحاق به.

الخليج الجديد الذي يزداد في أوساط نخبه وقادة الرأي الشعور بالقلق على المستقبل، أصبح أكثر تنوعاً حتى في القيم السياسة للنظم الحاكمة وأكثر حساسية لمسائل إستراتيجية وأخرى حضارية ذات صلة بالهوية والمجتمع ومصادر التهديد المباشرة، وأكثر رغبة في التأثير ليس في مصير شعوبه، بل في مصير المنطقة بأكملها.

ثمة أجندة مصالح جديدة ذات سمات خليجية في التفاعلات السياسية التي تجري لم تعد كما اعتادته المنطقة العربية وجوارها الإقليمي في الصيغة التقليدية لأدوار هذه الدول والكيانات التي كانت تمارسها بالوكالة عن الدول الكبرى، فإلى جانب ذلك تتبلور بعض الأنماط من السلوك السياسي الذي يعبر عن سياسات مقصودة ومصالح واضحة.

في ضوء ذلك، يمكن قراءة الحضور اللافت للرئيس الإيراني في قمة الدوحة وقد خلص للتو من تحريض أو تهديد دول المنطقة، محذراً من الذهاب إلى الاجتماع الدولي الذي عقد قبل أيام في أنابولوس في الولايات المتحدة، والذي دعا إلى مسار جديد في التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بالتزامن مع إعلان المخابرات الأميركية بأن إيران قد أوقفت برنامجها النووي العسكري منذ عام 2003، بينما يزداد التوغل الأمني والنفوذ الإيراني في عرض العراق وطوله، كل ذلك يوضح حجم كثافة السياسة التي تصنع السلوك السياسي الإيراني وحجم ما فيه من حرص منقطع النظير على جلب المنافع والمصالح بأبعادها المختلفة، فلا فرق في اداراة المصالح بين انابولوس والدوحة.

الذي حضر في الدوحة هو صوت إيران القديمة، في نظراتها التقليدية التي تحددها المصالح الإيرانية الأحادية وليس منظور التعاون والاعتماد المتبادل، لا يمكن لعاقل أن ينكر منطق الجغرافيا وحق الشعوب على ضفتي الخليج بالتكامل الإقتصادي والمساهمة في جلب المنافع المتبادلة، ولكن هذا المسار الذي كان متاحاً في فترات تبدلت فيها المياه الإيرانية كثيراً منذ عهد الشاه مروراً بأجيال الثورة لم يختبر، ولو لمرة واحدة، في طرح نماذج حقيقية للتعاون وتبادل المصالح، بل وعلى اختلاف المراحل بقيت الرؤية السياسية الإيرانية للعلاقة مع منطقة الخليج علاقة مصلحة باتجاه واحد يشوبها الشعور بنوايا الهيمنة والعلو والاستحواذ.

 

الإصرار على نسف الأوضاع القائمة في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل العالم انطلاقاً من هذه المنطقة وإحداث تغيير جذري في علاقات القوى السائدة، سيأتي بالوبال على كل المنطقة وستدفع شعوبها الثمن الذي لن يفرق بين العرب والإيرانيين. وسيدرك الفرقاء أنها ليست اللحظة التاريخية لصدام مشروعين يروج بأن كلا منهما وصل لحظة النضوج والمواجهة، بل إنها ليست أكثر من لحظة وهم ستفضي لمصيرها المعروف، بإمكان إيران ان تحتفظ بمسافة معقولة في تمددها في أطراف وعمق العالم العربي، وبامكانها ان تحافظ في اقل التوقعات على الموقع الخصم والا تدفع بنفسها عنوة نحو موقع العدو، فالمنطقة العربية وان كانت تعاني من خلاء استراتيجي فما زالت تحتفظ بامتلاء تاريخي وثقافي وقوة كامنة للرأي العام الذي يمكن ان يفعل بعض الشيء، ويجب على الجميع التذكر بان الرأي العام العربي والثقل الثقافي والحضاري، بحسب مادلين اولبرايت، كان السبب الرئيسي الذي أخر ضرب واحتلال العراق أكثر من خمس سنوات.

basim.twessi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نستحق اكثر (علي خليل الدهان)

    الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    نستحق اكثر من ذلك لان هذا الوضع بفعل
  • »الخليج عربي (Jebril Alhelalat)

    الخميس 6 كانون الأول / ديسمبر 2007.
    بعد فشل نظرية السيطرة والاحتواء التي اتبعتها ايران مع الدول العربية بدءا بسوريا و لبنان, و بعد ادراك القيادة الايرانية المرتبكة انها على وشك الدخول في عزلة دولية ليس بسبب برنامجها النووي فحسب و انما بسبب مواقفها المتطرفة في اكثر من اتجاه بدأت القيادة الايرانية التفكير بشكل مختلف, فحضور ايران الرسمي في القمة الخليجية التاريخية الاخيرة قد يكون بداية ادراك بأن الخليج عربي و ليس فارسيا.
    على اي حال, كل امنيات التوفيق للسوق الخليجية و التعاون الاقتصادي حيثما كان.