أولمرت بعد أنابوليس

تم نشره في الخميس 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

السؤال "الأهم" الذي انشغلت به وسائل الإعلام الإسرائيلية، في الوقت الذي كان فيه اجتماع أنابوليس ما يزال جاريا، هو مستقبل حكومة إيهود أولمرت، في أعقاب الاجتماع، و"البيان المشترك"، الذي تحدث عن إنهاء مفاوضات الحل الدائم حتى نهاية العام القادم 2008.

والإجابة على هذا السؤال لم تتأخر، وقد ظهرت في أوج الاجتماع، على لسان اللاعبين اليمينيين المتطرفين في حكومة أولمرت، الوزير العنصري، أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "يسرائيل بيتينو"، والوزير اليميني، إيلي يشاي، زعيم حزب "شاس" الديني الأصولي، اللذين قللا من شأن البيان، ولمحا بشكل واضح إلى أن الموعد الذي نص عليه البيان غير قابل للتحقيق.

وهذا الرد تأكد في اليوم التالي للاجتماع، من خلال تصريحات عدد من قادة بارزين في هذين الحزبين المشاركين في الحكومة، التي كان عنوانها الأبرز: "لم يتم تجاوز الخطوط الحمراء في أنابوليس"، ومن وجهة نظر اليمين الإسرائيلي.

وهذا الواقع لم يكن مفاجئا، لا بل متوقعا بالتأكيد، لأن الموقف المتشدد في حكومة أولمرت لم يكن بفعل ضغط هذين الحزبين، بل لأن رئيس الحكومة إيهود أولمرت، ووزيرة خارجيته، تسيبي ليفني، والحكومة كلها، لم يشذوا عن خطة الإجماع الصهيوني، طوال المفاوضات التي جرت في الأسابيع الأخيرة، سعيا لإبرام وثيقة مشتركة، بصيغة مخالفة لتلك التي ظهرت في البيان الهزيل الذي تم الإعلان عنه في أنابوليس.

ويقول المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ألوف بن، في مقاله، "لقد فعل أولمرت كل شيء من أجل أن يفكك جميع الألغام التي كان من الممكن أن تكون في البيان المشترك، وكان ومن شأنها أن تفجر ائتلافه، فقد كانت لديه مشكلة، ليبرمان (حزب يسرائيل بيتينو)، وحزب "شاس" اللذان عارضا التطرق للقضايا الأساسية، وحتى أن زعيم شاس، إيلي يشاي، هدد بالانسحاب من الحكومة في حال تم التطرق لقضية القدس".

إلا أن بن لم يشر إلى مدى قناعة أولمرت الذاتية في ما يتعلق بهذه "الألغام"، حسب وصفه لها، بمعنى ان أولمرت، ومن دون هذه المعارضة في حكومته، ما كان سيقبل بهذه "الألغام".

ويشير بن إلى أن أولمرت لم يواجه معارضة بالنسبة لجدول زمني للمفاوضات، لأنه لا قناعة لدى أحد بأنه بالإمكان تطبيق أي جدول زمني للمفاوضات، ويكتب، "لن يترك أي شخص كرسيه الوزاري بسبب التزام بإبرام اتفاق بعد عام كامل، ففي الحياة الحزبية عام كامل هو زمن كبير، وفي الشرق الأوسط، وكما قال (رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق) يتسحاق رابين، بعد اتفاقيات أوسلو، لا توجد "تواريخ مقدسة"، ولهذا كان مريحا بالنسبة لأولمرت ان يتساهل بشأن الجدول الزمني".

بالإمكان القول إن أولمرت سيعود إلى حكومة أكثر ثباتا من ذي قبل، بمعنى ان جوقة التهديد على خلفية المفاوضات مع الجانب الفلسطيني سيخفت صوتها، ولن يواجه المزيد من التهديدات بالانسحاب من حكومته، على خلفية أنابوليس.

وهذا يسري أيضا على زعيم حزب "العمل"، ووزير الحرب إيهود باراك، إذ تقول المحللة للشؤون الحزبية في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، سيما كدمون، في مقالها، "على الأقل هناك إنجاز واحد بإمكان أولمرت أن ينسبه لنفسه، وهو حزبي للغاية: إيهود باراك، الذي سنرى كيف بإمكانه ان ينسحب من الحكومة، بعد أن جلس (خلال لقاء أنابوليس) وكتفه إلى جانب كتف الرئيس الأميركي جورج بوش".

ولكن هذا لا يعني أن أولمرت تجاوز حاجزا أمام بقائه رئيسا للحكومة، لأن كل التوقعات التي أكدت في السابق ان أنابوليس لم تكن حاجزا كهذا أصلا، قد صدقت، فالمهمة الأصعب ما تزال أمام أولمرت، وهي تجاوز ملفين، الأول تقرير لجنة فحص مجريات الحرب على لبنان، لجنة "فينوغراد"، الذي قد يصدر في الأسابيع القليلة القادمة، وقد يحمل انتقادات لأولمرت، بمستوى يجعل بقاءه رئيسا للحكومة حتى انتهاء ولايته في خريف العام 2010، أمرا صعبا للغاية.

أما الملف الثاني فهو سلسلة التحقيقات بشبهات الفساد التي تجري مع أولمرت في هذه المرحلة، على خلفية عمله في مناصب وزارية سابقة في السنوات الأخيرة، أو تلك المتعلقة بشراء وبيع بيوت بأسعار تثير شبهة تلقي رشاوى، فإن فلت أولمرت من ملف تحقيق واحد، فلن يكون من المؤكد ان يفلت من جميع هذه الملفات.

ولهذا فإن المحلل السياسي في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، شمعون شيفر، يكتب في مقاله، "إن السؤال الذي سيرافق أولمرت منذ الآن، هل سيبقى في منصبه حتى نهاية العام 2008".

وهذان الملفان كانا الدافع الأكبر لمجمل التصريحات السياسية الرافضة للقاء أنابوليس في داخل حكومته، وخاصة تلك التي أطلقها الوزراء الثلاثة، ليبرمان ويشاي وباراك، لأنهم سعوا إلى إثبات "تميز سياسي" تحسبا لمواجهة انتخابات برلمانية مفاجئة، على خلفية اضطرار أولمرت الاستقالة من منصبه، بسبب ما ذكر.

مما لا شك فيه ان أي انقلاب في حكومة أولمرت سيجمد المفاوضات مع الجانب الفلسطيني لفترة غير محدودة، وهذا إن اضطر أولمرت للاستقالة، وتم تكليف شخصية سياسية أخرى من حزبه بتشكيل حكومة جديدة، أو أن الاستقالة قادت إلى حل البرلمان (الكنيست) والتوجه إلى انتخابات برلمانية مبكرة، رغم أن خيار الانتخابات البرلمانية المبكرة ما يزال ضعيفا، خاصة وأن جميع مركبات الائتلاف الحاكم باتت تدرك أنها لن تخرج منتصرة من انتخابات كهذه.

إن الأسابيع المقبلة ستكون مثيرة ومكثفة بالتحركات السياسية في الحلبة الإسرائيلية الداخلية، ففي الأيام القليلة القادمة ستعلن الشرطة توصياتها بشأن أحد ملفات الفساد التي يشتبه بها أولمرت، وهناك تقدير بأنه سيتم إغلاق الملف بسبب قلة الأدلة، كما انه حتى نهاية الشهر القادم أو في مطلع العام القادم، سيصدر تقرير فينوغراد.

والأهم من كل هذا، فإن احتمال أن تشن إسرائيل عدوانا واسع النطاق على قطاع غزة ما يزال واردا بقوة، غلافه "احتياجات أمنية"، ودافعه الأكبر، مكاسب ذاتية يبحث عنها باراك، لإثبات نفسه عسكريا قبل أي انتخابات مفاجئة، وبحث أولمرت عن حلبة أخرى ينشغل بها الشارع الإسرائيلي بعيدا عن ملفات الفساد وتقرير فينوغراد، وحتى جيش الاحتلال الذي سيتوخى "إعادة هيبته" من خلال حرب قصيرة على القطاع. 

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق