التخبط في الشارع الإسرائيلي

تم نشره في الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

أظهرت استطلاعات الرأي التي نشرت في نهاية الأسبوع الماضي في إسرائيل، حالة التخبط السياسي التي يعيشها الشارع الإسرائيلي، حيال الرؤية المستقبلية للحل السياسي في المنطقة، فالعنوان الأبرز لنتائج هذه الاستطلاعات، هو أن الجمهور في إسرائيل معني بالعملية السياسية، ولكنه يرفض بأكثريته مستحقات الحل الدائم والسلام.

وعلى الرغم من التحفظ المبدئي من نتائج استطلاعات الرأي، كون أكثريتها موجهة، وتسعى للوصول إلى نتيجة محددة مسبقا لدى المبادرين إليها، وخاصة الصحف التجارية الكبرى، إلا أنها تترجم انعكاسا مباشرا لإزدواجية خطاب المؤسستين السياسية والعسكرية على الشارع.

وهذا ليس بأمر جديد، فمن أسباب التحفظات على استطلاعات الرأي هو أنها تأتي في أوج تصريحات سياسية وعسكرية، وعناوين ضخمة تتصدر الصحافة الإسرائيلية، لها توجه محدد، وهذا ما قرأناه في الاستطلاعات الأخيرة.

فقد صدر في نهاية الأسبوع الماضي استطلاعان، الأول في صحيفة "يديعوت أحرنوت" كبرى الصحف الإسرائيلية، والثاني في صحيفة "معاريف" المنافسة، حول الموقف من استئناف العملية السياسية، وشكل الحل، وقد ظهرت تناقضات في معطيات الاستطلاعين، وحتى في الاستطلاع نفسه، ثم صدر استطلاع في القناة الثانية للإذاعة الإسرائيلية، ليعكس حالة التخبط والتفكك السياسي، من خلال التأييد للأحزاب، في حال لو جرت الانتخابات البرلمانية في هذه المرحلة.

فمثلا نقرأ في استطلاع "يديعوت أحرنوت"، أن 69% من المستطلعين، يؤيدون انعقاد لقاء أنابوليس، بينما قال 71% إنهم لا يتوقعون أن يفضي اللقاء إلى شيء، ورفض 66% أن تقدم الحكومة الإسرائيلية، ما يسمى بـ "تسهيلات" للفلسطينيين، قبل وبعد اللقاء، كما رفض 63% طرح القضايا الأساسية للحل الدائم مع بدء المفاوضات، ورفض 55% إخلاء أكثرية المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، بموجب صيغة السؤال الذي تم طرحه على المستطلعين.

والموقف الرفضي لا يقتصر على الملف الفلسطيني، بل أيضا على الملف السوري، ففي حين أن 57% من المستطلعين يؤيدون مشاركة سورية في اللقاء، ويؤيد 70% استئناف المفاوضات مع سورية، فإن 70% يعارضون انسحابا إسرائيليا من هضبة الجولان السورية المحتلة.

أما في استطلاع صحيفة "معاريف"، فإننا نقرأ نتائج مختلفة بعض الشيء، فبالإجابة على مسألة اخلاء البؤر الاستيطانية، وليس المستوطنات، ظهرت أكثرية واضحة (56%) تؤيد اخلاء "أكثرية" البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، كذلك فإن 47% يؤيدون تقسيم القدس وفق المخطط الاحتلالي، القاضي بالاحتفاظ بالأحياء الاستيطانية، والانسحاب من غالبية الأحياء الفلسطينية، باستثناء البلدة القديمة، وهذه نسبة مرتفعة جدا، نسبيا، على الرغم من أن 50% يعارضون حتى هذا المخطط.

وهذا التناقض في الأجوبة، بمعنى تأييد استئناف المفاوضات، ورفض البحث في الملفات الأساسية، هو نتيجة ما يلمسه الإسرائيلي على أرض الواقع، فهو يرى ويلمس أن آلة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة لا تتوقف، وهي مستمرة بوتيرة عالية.

وكذلك الأمر بالنسبة لهضبة الجولان السورية المحتلة، فعلى الرغم من الأحاديث عن احتمال استئناف المفاوضات مع سورية، تجري في موازاتها مشاريع بنيوية استيطانية ضخمة في الهضبة، وأيضا حملة إعلامية واسعة لتشجيع اليهود على الاستيطان في الأرض السورية المحتلة، ليحصلوا على محفزات مالية حكومية ضخمة جدا.

وأيضا هذه الحالة ليست بالأمر الجديد، لا بل أنها مستمرة منذ سنوات طوال، وخاصة منذ النصف الثاني من سنوات التسعين من القرن الماضي، فالجمهور في إسرائيل يعي انه بحاجة للوصول إلى حالة استقرار، ولكنه يتخبط في البحث عن طريق هذا الاستقرار.

وهذا أيضا نتاج لحملة توجيه مباشرة وغير مباشرة، تنتهجها المؤسسة الأمنية والسياسية على مر عشرات السنوات، التي تفرض على الجمهور حالة "رعب دائم من الآخر"، والادعاء بأنه يعيش في محيط يهدده على مدار الساعة ويريد إبادته، وإزالته عن الوجود، ناهيك عن "جوقات تهديد" نسمعها من خارج إسرائيل لتدعم عمليا هذه الدعاية الصهيونية، بإطلاقها تهديدات فارغة من أي أساس.

والدافع لهذا النهج الذي تقوده بالأساس الحركة الصهيونية، هو عدم الرغبة الحقيقية بأن تنسحب من المناطق التي تعتبرها "كنزا استراتيجيا"، مثل الضفة الغربية وهضبة الجولان، فالمنطقتان تشكلان عمقا جغرافيا وسيطرة على موارد طبيعية، خاصة المياه، عدا عن كونهما مصدرا اقتصاديا، وبالذات هضبة الجولان.

لقد أثبتت تجربة قصيرة من الاتفاقيات المرحلية في فترة أوسلو، أن هناك فرقا واضحا في دعم أي اتفاق، قبل صياغته، وبعد صياغته، أي أن نسبة التأييد ترتفع بعد التوقيع على مثل هذه الاتفاقيات.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو بشقين: هل إسرائيل على أبواب مرحلة جديدة، من تغير التوجهات في سدة المؤسسة السياسية، وهل إسرائيل متجهة إلى حالة استقرار سياسي.

الإجابة على الشق الأول نقرأها من خلال شبه الإجماع الصهيوني حول أفق الحل الدائم، ويتلخص برفض حق العودة، وعدم الانسحاب الكامل من القدس المحتلة، والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الضخمة، التي تقتطع من 40% إلى 50% من أراضي الضفة الغربية.

أما الإجابة على الشق الثاني، فنقرأها من خلال نتائج استطلاع القناة الثانية للإذاعة الإسرائيلية، التي عكست التوجهات السياسية وتأييد الأحزاب، في ما لو جرت الانتخابات البرلمانية في هذه المرحلة.

وقد أبرز هذا الاستطلاع استمرار حالة التشرذم في الخارطة السياسية الإسرائيلية، وغياب الكتلة الحزبية الكبيرة القادرة على فرض أجندتها على البرلماني الإسرائيلي، فنرى مثلا انهيارا لكتلة "كديما" الحاكمة، من 29 مقعدا إلى 13 مقعدا، في حال بقي إيهود أولمرت على رأس الحزب، أو أنه سيحصل على 21 مقعدا، فيما لو تربعت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني على رئاسة الحزب، وهذا من أصل 120 مقعدا في البرلمان، "الكنيست".

ولا يظهر أي تقدم لحزب "العمل" الذي يتزعمه وزير الحرب إيهود باراك، الذي سيحافظ على عدد مقاعده، بحصوله على 20 مقعدا أو 18 مقعدا، وهو اليوم يسيطر على 19 مقعدا، والارتفاع الأكبر سيكون لحزب الليكود، الذي سيستعيد قسطا كبيرا من قوته، وسيرتفع من 12 مقعدا اليوم إلى 28 مقعدا، في حال كانت ليفني على رأس "كديما"، و31 مقعدا في حال بقي أولمرت زعيما للحزب الحاكم.

ومن أبرز الاستنتاجات، هو أن أية انتخابات برلمانية قادمة ستدعم أكثر القوى والعنصرية المتطرفة، التي حازت في الانتخابات الماضية على ثلث الأصوات.

إن الحراك السياسي الجاري في هذه المرحلة هو أمر مهم، وأفضل بكثير من حالة الجمود السياسي، كونه يبقي على بعض من "الأمل"، ولكن بطبيعة الحال فإنه لا يمكن الاستمرار بهذه الحالة المفرغة، التي يتطلب الخروج منها عدة متطلبات، بالأساس في الساحة الإسرائيلية الداخلية، ولكن بقدر كبير أيضا، متغيرات على الساحة الدولية، وخاصة لدى الداعي للقاء أنابوليس: الإدارة الأميركية، الداعمة بشكل أعمى للموقف الإسرائيلي.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق