إسرائيل بالأحرف الكبيرة والصغيرة

تم نشره في الجمعة 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

هناك "نصيحة" قديمة، لا تزال شائعة في إسرائيل،تقول إنه حين تقرأ إعلانا تجاريا مغريا، فلا تعتمد على الكلمات التي تكتب الأحرف الكبيرة،بل اقرأ الاستثناءات والملاحظات التي كتبت بالأحرف الصغيرة في أسفل الإعلان،لأنها توضح الصورة وتعرف حدود ذلك"الإغراء".

ولكن كما يتضح فإن هذه النصيحة لم تعد تقتصر على التجارة،بل هي صحيحة أيضا في السياسة،وفي الإعلام السياسي في إسرائيل،الذي يخرج إلينا يوميا بعناوين صارخة،ولكن في التفاصيل الدقيقة للخبر نقرأ صورة مختلفة كليا،عن العنوان الرئيسي له.

وهذا الأمر يتكرر يوميا، بالذات في الأيام الأخيرة،بتزامن مع الحراك السياسي على صعيد المساعي لاستئناف العملية التفاوضية مع الجانب الفلسطيني،والشائعات اليومية حول وجود نوايا إسرائيلية باستئناف المفاوضات مع سورية.

فقبل أيام صدرت كبرى الصحف الإسرائيلية تحمل عنوانا صارخا يقول إن أولمرت سيستأنف الاتصالات السرية مع سورية،والى جانب ذلك الخبر، خبر آخر لا أقل حجما "يبشرنا" بأن وزير الحرب إيهود باراك كلف أحد الجنرالات في الاحتياط لإعداد "مشروع سلام" مع سورية،لأن باراك يروج لبدعة "عدم وجود شريك فلسطيني قوي" للسلام.

ولكن إلى جانب الخبرين"الكبيرين،من حيث المساحة والعناوين الضخمة،كان خبر في مربع صغير،وعنوانه بأحرف صغيرة، يقول "ببساطة" إن ما يسمى بـ"مجلس مستوطنات هضبة الجولان" السورية المحتلة،شرع في الأيام الأخيرة بحملة دعائية تشجع اليهود في إسرائيل على الاستيطان في هضبة الجولان، نظرا لطبيعة المكان وفرص الاستثمار الزراعي فيها، والامتيازات المالية التي يحصل عليها المستوطنون من حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

ويقول ذلك "النبأ الصغير"، إنه منذ العام2002 وحتى اليوم انتقل للاستيطان في هضبة الجولان السورية حوالي ألف عائلة،أي ما بين3500 إلى5000 آلاف مستوطن،من بينهم 300 مستوطن استوطنوا الجولان في الأشهر الثلاثة الأخيرة.

ولو تصفحنا صفحات الجريدة الخلفية لربما وجدنا بعض المناقصات والعطاءات الحكومية لتنفيذ مشاريع بنى تحتية ضخمة في الهضبة المحتلة،كتلك الجارية حاليا في الهضبة،وهذه الإعلانات أصلا تكتب"بأحرف صغيرة".

بعد يوم،صدرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بعنوان صارخ على رأس صفحتها الأولى يدعي أن إسرائيل ستجمد البناء في مستوطنات الضفة الغربية قبل لقاء أنابوليس،في إطار ما يسمى "مكارم" إسرائيل للفلسطينيين.

وهنا أيضا قرأنا بالأحرف الصغيرة مضمونا آخر كليا،فرئيس الحكومة إيهود أولمرت، يوضح ان البناء في الكتل الاستيطانية الضخمة لن يتوقف،بل فقط في المستوطنات خارج تلك الكتل.

ومن المفيد الإشارة إلى أن الكتل الضخمة تضم ما لا يقل عن70% من المستوطنين في الضفة الغربية،وهذا عدا المستوطنين في القدس المحتلة،فحسب القاموس الاحتلالي الإسرائيلي،فإن القدس ليست محتلة والاحياء الاستيطانية فيها ليست مستوطنات.

وعدا ذلك فإن إسرائيل أصلا لا تبني بشكل عام في المستوطنات الصغيرة التي بقيت خلف جدار الفصل العنصري،لأنها قد تخليها بهدف الاحتفاظ بما هو أكبر وأضخم،ولهذا فإن أي حديث عن تجميد البناء في الاستيطان،حسب توضيحات أولمرت لا قيمة له إطلاقا.

وهذان مثالان من مئات الأمثلة والأدلة على طبيعة السياسة الإسرائيلية وأبواقها الإعلامية،لا بل أن هناك أنباء تظهر لنا بشكل دوري وفي كل مرّة لدوافع مختلفة،فمثلا في ما يتعلق بالملف السوري،فقد ظهرت أنباء مطابقة قبل ستة أشهر بالضبط من الآن،وكان لتلك الأنباء دوافع إسرائيلية داخلية،واليوم تختلف الدوافع،ولكن الجوهر باق على حاله،وهو أن إسرائيل ليست معنية إطلاقا بالانسحاب من هضبة الجولان السورية المحتلة.

فدوافع اليوم لسحب ملف المفاوضات مع سورية وطرحه في وسائل الإعلام من جديد،هدفه تكرار المناورة الإسرائيلية البالية،التي استعملتها اسرائيل العديد من المرات،في كل مرّة يجري فيها الحديث عن احتمال استئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني،وحين تبدأ عملية شد الحبل بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

فإسرائيل تعتقد ان الحديث عن احتمال استئناف المفاوضات مع سورية يضع القيادة الفلسطينية في أجواء ضاغطة،تجعلها تقدم تنازلات خلال المفاوضات،فمثل هذا رأيناه في ربيع العام2000، في مفاوضات شيبرادستون،بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق،إيهود باراك، ووزير الخارجية السابق فاروق الشرع،التي لم تثمر شيئا،ولكنها جرت في ظل أجواء تتحدث عن عقد قمة إسرائيلية فلسطينية،جرت لاحقا في معسكر كامب ديفيد الأميركي.

كذلك فإن إسرائيل تعتقد ان عقد مؤتمر للسلام حول القضية الفلسطينية يضع القيادة السورية في أجواء ضاغطة،إذ يتوهمون ان مؤتمرا كهذا يعزل سورية في الحلبة الدولية،على الرغم مما نسمعه من قادة إسرائيل بأنهم معنيون بمشاركة سورية في لقاء أنابوليس،الذي أصلا تسعى إسرائيل لإجهاضه قبل انعقاده.

وكما ان هناك أحرف كبيرة وصغيرة في إسرائيل،فهناك أيضا ساسة كبار وصغار،فالكبار بمستوى رئيس الحكومة،إيهود أولمرت،لا يكف الحديث عن أنه يريد انتهاز الفرصة الحالية لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين وحتى مع سورية،أما الصغار فإنهم ينفذون مهمات مناقضة وبرعاية أولمرت نفسه.

ومن بين الساسة الصغار،مثلا، النائب غدعون ساعر،رئيس كتلة حزب الليكود،أكبر أحزاب المعارضة اليمينية في الكنيست،الذي بادر يوم الأربعاء الأخير لمشروع قانون تم إقراره مبدئيا،ويقضي بأن أي قرار الكنيست حول ما يسمى بـ"تنازلات" في القدس المحتلة، يستوجب أغلبية80 نائبا من اصل120 نائبا،وهي أغلبية مستحيلة على ضوء موازين القوى السياسية الإسرائيلي منذ سنوات طوال وحتى اليوم،وفي حال إقرار القانون نهائيا فهذا سيمنع تنفيذ أي اتفاق بشأن القدس،ومن دون القدس لا يوجد حل دائم.

وماذا فعل أولمرت في هذا المشروع،فهو أولا منع تقديم رد الحكومة عليه، ثم منح أعضاء الائتلاف الحاكم حرية التصويت،وهو بنفسه هرب من الجلسة ومعه عدد من الوزراء الكبار، وماذا كانت النتيجة ان القانون تم إقراره بأغلبية كبيرة جدا،54 نائبا مقابل24 نائبا، وغالبية المؤيدين كانوا من أحزاب الائتلاف الذي يقوده أولمرت.

وفي نفس اليوم بادر أحد السياسيين الصغار من الائتلاف الحاكم،لمشروع قانون حظي بأغلبية برلمانية ويقضي بسرقة أموال الضرائب الفلسطينية لصرفها على "الأضرار" التي تتكبدها إسرائيل من العمليات الفلسطينية،وهنا أيضا هرب أولمرت من الجلسة،وحصل القانون على دعم كبير من نواب الائتلاف الحاكم.

وأكثر من هذا فإن أولمرت وحكومته يدعمان بشكل مباشر وغير مباشر،وأسبوعيا قوانين عنصرية من الدرجة الأولى موجهة ضد فلسطينيي 48، وهذا في حال استمراره، سيقود مستقبلا إلى انفجار من نوع آخر.

السؤال الصارخ الذي يطرح نفسه،لماذا تتشبث وسائل إعلام عربية مركزية بالأحرف الكبيرة،وتهمل الأحرف الصغيرة،ولماذا هي نفسها تتمسك بما يقول "كبار إسرائيل" فقط، وتهمل ما يقوله صغارها،هذا سؤال قد يحتاج لإجابة لاحقة.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق