السياق الإقليمي للأزمة الباكستانية

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 03:00 صباحاً

الارتباك السياسي الجاري حاليا في الباكستان ينذر بعواقب غير حميدة على منطقتنا، وذلك ليس فقط لأن العالم المعلوم الذي نقيم فيه هذه الايام اوجب على بني البشر، شعوبا كانوا ام حكومات، التشارك في الخير كما التشارك في الشر.. في الحقيقة، لا بد من ترجيح الاخير، اي التشارك في الشر، فما يزال الاستئثار بالخير ممكنا، ولكن الشر لا تعرف لانتشاره أية حدود ولا يلتزم بأية قيود.

الازمة في الباكستان هي ازمة دستورية وصراع كلاسيكي على السلطة، وهي مؤشر آخر على ان الضعف الكبير الذي اعترى الضوابط الديمقراطية على طموحات الاشخاص، قد اطلق العنان لمثل هذه الطموحات حتى في اعرق الديمقراطيات الغربية المعروفة، لدرجة ان مصالح الافراد قد ارتفعت فوق الصالح العام وفوق مصائر الاوطان والشعوب.

وفي ظل هذه الاوضاع المنهارة عالميا نشهد ظاهريتن: في الاطار القطري الداخلي نشهد تحالف المصالح الضيقة والشخصية من اجل الاستئثار بالحكم، والاستحواذ المستمر بالسلطة، وتجيير كل ذلك لخدمة مصالح محدودة خاصة على حساب الصالح العام. ولم يستثن ذلك، وفي أكثر الديمقراطيات تطورا ايضا، تحالف السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية ضد كل من يعارض، فلا يعود توزيع السلطات واستقلالها المفترض، ضمانة للتوازن والرقابة من اجل حكم عادل نزيه ونظيف مجرد من الانانية والاحتكار، بقدر ما يصبح فرصة لاقامة تحالفات قادرة على حرف مسارات الحكم عن طرقها واهدافها من دون انتهاك ظاهر للعملية الديمقراطية، التي يبدو انها توفر فسحة واسعة لذلك.

اما في الاطار الدولي فإننا نشهد ما هو اشد خطرا ألا وهو تحالف القوى العظمى، وبالتالي فرض الهيمنة على الدول الاقل قوة، لفرض سياسات ضيقة ولخدمة مصالح خاصة، ليس فقط على حساب الاقل قوة، والاقل قدرة، بل وعلى حساب أمن وسلام العالم.

فكما هي الديمقراطية في الاطار الاقليمي التي تكون ضحية تحالف القيادات. فإنها الديمقراطية الاوسع في الاطار الدولي التي اصبحت ضحية تحالفات الدول القوية العظمى ضد القانون الدولي، وضد مصالح بقية دول العالم، وفي كلا الحالتين الاقليمية المحلية (ضمن اطار الدولة الواحدة) او الدولية، لم يعد للمبادئ ولا للمعايير الاخلاقية، ولا للشرعية القانونية ولا لأسس التعامل العادل النبيل أية قيمة. المقياس المهيمن هو ان المنتصر يصبح صاحب الحق والمهزوم هو المدان.

لا يمكن عزل ما يجري في باكستان عما يجري في منطقة الشرق الاوسط، وفي العالم خاصة بعد الاحداث التي غيرت مجرى بقية الاحداث وغيرت التاريخ برمته، أي احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001. فقد كانت باكستان من اول الدول التي توجب عليها الامتثال لمطالب معينة من قبل الدولة العظمى التي قادت الحرب على الارهاب؛ تلك الحرب التي بدأت بـ"افغانستان- طالبان"، وكانت لباكستان، حكومة وشعبا، صلات وثيقة بطالبان، تستند الى العاطفة الدينية بالدرجة الاولى.

لم يكن حكم طالبان مثاليا بأي مقياس، وكانت تشوبه شوائب رجعية ضيقة وبغيضة كثيرة، ولكنه لم يكن مدانا بالارهاب، لا ممارسة ولا دعما، وحتى ايواء بن لادن ومنظمته ومعسكراته، الذي استوجب جعل افغانستان هدفا اوليا للحرب، حتى هذا الايواء لم يكن دليل اقرار او دليل دعم لاعمال ارهابية، مثل تلك التي وقعت في نيويورك وواشنطن يوم 11 ايلول، لأن طالبان لم تمانع عندئذ في تسليم بن لادن للولايات المتحدة لمحاكمته لو قدم لها الدليل على مسؤوليته عن تلك الاحداث.

كان على باكستان إبان الاستعداد للحرب ضد افغانستان ليس فقط ان تنهي علاقاتها ودعمها لطالبان بل ان تكون شريكا في تلك الحرب وان تقدم كل التسهيلات، وإلا تعرضت هي للقصف والعقاب.

من البديهي انه لم يكن بمقدور حكومة باكستان ان تتحدى التهديد، كما لم يكن بمقدور دول كثيرة اخرى غيرها، وقد مارست القيادة في ظل تلك الظروف الدولية الصعبة مقدارا كبيرا من المرونة والواقعية والحكمة وانحنت امام موجة لم يكن باستطاعة احد ان يتحداها ويعترض طريقها.

وقياسا على ما تلا ذلك من احداث فقد تعزز دور باكستان والرئيس مشرف بالذات، وتم التعامل معه منذئذ كحليف وصديق جدير بكل الدعم ومتطلبات الصداقة، وارتد ذلك كله على البلد بإيجابيات لا يمكن تجاهلها.

لكن ما ظل خافيا هو ما يتفجر الآن، فحسابات الحقل ليست كحسابات البيدر، وكذلك فإن حسابات السياسة، وحسابات تفهم المناخ الدولي، وتوزان القوى التي فهمتها القيادة الباكستانية وتعاملت معها بالصورة الصحيحة، لم تأخذ بنظر الاعتبار ان المجتمع الباكستاني هو مجتمع مسلم محافظ وانه لم يكن من السهل عليه ان يتبع البارومتر السياسي فيتخلى عن عاطفته الدينية ولا عن تحالفاته مع نظرائه في افغانستان ولا في غيرها.

وزاد الامر تفاقما، وزادت التناقضات حدة، عندما تاهت الحرب على الارهاب فاختلط عليها الامر وبدأت تنظر لكل عاطفة دينية (اسلامية بالذات) على انها عاطفة ارهابية، وبدأت تنظر للاسلام وكأنه العدو ولكل تنظيم ديني اسلامي وكأنه تنظيم ارهابي، ولكل دعوة للتدين وكأنها دعوة للتوجه للعنف والارهاب. وبكل تأكيد فقد ادى مثل هذا السلوك الى ردود فعل تصادمية اخذت بدورها كأدلة على صحة استهداف الدين والعاطفة الدينية!

وظلت الضغوط تتزايد على باكستان من اجل مجابهة اشد ضراوة مع التنظيمات الاسلامية المعارضة خاصة بعد رواج الادعاءات بتواجد بن لادن على الحدود الباكستانية او داخلها، او بانتشار طالبان داخل الاراضي الباكستانية، وقد أدى ذلك لايقاظ قضايا دينية، ولاستفزاز عاطفة دينية، ولاستنفار اعمال عنف معادية للسلطة الرسمية، كان يمكن معالجتها بهدوء وبطء.

كان بامكان الدولة ان تعالج سلبياتها بالاساليب الناجعة طويلة الاجل، بكلمات بسيطة: ان كانت هنالك اية مشاكل تتعلق بالتربية الدينية التحريضية، كما يُدّعى ويُزعم، فإنها كانت خاملة ولا تشكل اخطارا مباشرة تستوجب مثل ما حدث من الاستفزاز. ولعل المواجهة التي وقعت في المسجد الاحمر في اواخر شهر حزيران الفائت في اسلام اباد والتي تسببت في وقوع عدد كبير من الضحايا، وشكلت بداية لمسلسل من اعمال العنف والهجمات الانتحارية اللاحقة هي مثال واضح على خروج امور المواجهة بين السلطة والجماعات الدينية عن اطار السيطرة.

ليس في مصلحة احد ان يستمر الارتباك السياسي في بلد له اهميته ودوره ومكانته في المنطقة مثل باكستان. ونأمل ان تتغلب الحكمة والمصلحة العامة على كل نزعة شخصية وتنتهي الازمة، لكن الاطار الاوسع يظل مكمن الخطورة، فسوف تظل الازمات تتفجر وتنتقل من موقع لآخر، حتى يأتي الوقت الذي يتم فيه تصحيح مجمل السياسة التي تمارس في هذه المنطقة، حتى يعاد للنظام الدولي والديمقراطية الصحيحة اعتبارهما.

سفير الأردن السابق في الأمم المتحدة

التعليق