اليهود الإثيوبيون والورطة المزدوجة

تم نشره في الاثنين 5 تشرين الثاني / نوفمبر 2007. 02:00 صباحاً

تسعى الحركة الصهيونية وبالتالي إسرائيل،منذ عشرات السنين،إلى دفع أكبر عدد ممكن من أبناء الديانة اليهودية في العالم للهجرة إلى إسرائيل،وذلك لهدفين،الأول تثبيت مشروع الدولة الصهيوني، والثاني مرتبط بالأول ضمان استمرار الأغلبية اليهودية في إسرائيل،ومنع فلسطينيي 48 من تجاوز نسبة20% من السكان، في حين إنهم اليوم يشكلون أقل من 17%.

وفي السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ العام2001 بدأ هذا المشروع يواجه أزمة كبيرة تستفحل من عام إلى آخر،على ضوء تراجع أعداد اليهود المهاجرين إلى إسرائيل،ففي حين كان المعدل في سنوات التسعين من القرن الماضي قد تجاوز100 ألف مهاجر سنويا،فإنه اليوم لا يتجاوز بأقصى حدوده21 ألف مهاجر، مقابل 7 آلاف إلى 8 آلاف يهاجرون من إسرائيل لتصبح الهجرة "الصافية" لإسرائيل في حدود 14 ألفا سنويا.

وفي معالجة سابقة في"الغد" تم استعراض أسباب هذا التراجع،ولكن أهمها هو انخفاض إعداد اليهود في الدول التي مستوى المعيشة فيها أقل من إسرائيل،مثل دول الاتحاد السوفييتي السابق، إذ يتضح من معطيات الوكالة الصهيونية أن90% من أبناء الديانة اليهودية في العالم يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى من إسرائيل،وخاصة الولايات المتحدة حيث يوجد أكثر من 5,2 مليون يهودي،وأكثر من 600 ألف في فرنسا، علما ان عدد اليهود في العالم بالكاد يتجاوز 13 مليونا، منهم5,54 مليون يعيشون في إسرائيل.

وحين تتحدث الوكالة اليهودية عن المستوى المعيشي، فإنها بالتالي تكشف عن أنها معنية بهجرة نوعية لإسرائيل، وليس هجرة تزيد من العبء الاقتصادي على خزينة إسرائيل، التي كان عليها أن تمول هجرة أكثر من 1,3 مليون مهاجر هاجروا إسرائيل في السنوات الـ 17 الأخيرة، كذلك فإن التمويل لم يقتصر على مسألة الهجرة والاستيعاب، بل أيضا الصرف على الضمانات الاجتماعية لجمهور واسع من أولئك الذين لا يمكن دمجهم في سوق العمل بسبب الجيل وغيره.

وفي فترة الأزمة الاقتصادية الكبيرة التي واجهتها إسرائيل على مدى أربع سنوات، منذ العام 2001 وحتى العام 2004، كان الشارع الإسرائيلي ينظر إلى المهاجرين كأحد أسباب الأزمة، إلا أن المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي، وهم في حدود 1,1 مليون نسمة، استطاعوا حماية أنفسهم من هذه النظرة الإسرائيلية إليهم من خلال كثرة عددهم، وكونهم باتوا يشكلون وزنا سياسيا برلمانيا، ولكن الأهم، أنهم هم الأساس في وضع اسرائيل على الخارطة الثقافية والرياضية والفنية العالمية.

وفي المقابل فإن أكثر من110 آلاف يهودي هاجروا من أثيوبيا لم يكن بإمكانهم التصدي لهذه النظرة،وهم لا يزالون حتى الآن منبوذين إلى أقصى حدود في الشارع الإسرائيلي بسبب لون بشرتهم ونمط حياتهم بالأساس،وبسبب أوضاعهم الاقتصادية المتردية،وهذا هو موضوع المعالجة.

فقد تنبهت الوكالة الصهيونية لوجود يهود في أثيوبيا،ويطلق عليهم اسم"الفلاشا" في مطلع سنوات الثمانين من القرن الماضي،في سنوات "قحط الهجرة" لإسرائيل إن صح التعبير، ونجحت في تهريب آلاف المهاجرين،في حملة أسمتها حملة"موشيه"،بمساعدة دول أفريقية مجاورة،وكما أكدت إسرائيل لاحقا،فقد تمت الحملة بمساعدة الرئيسين الأسبقين السوداني جعفر النميري،والأوغندي عيدي أمين.

ثم توقفت الوكالة كليا عن هذا المشروع في السنوات اللاحقة،ولكن مع بدء موجة الهجرة الأضخم من دول الاتحاد السوفييتي المتفكك في العام1991، طالب الإثيوبيون اليهود في إسرائيل باستئناف هجرة أقربائهم من أثيوبيا إلى إسرائيل،وكما يبدو فإن إسرائيل عملت هذا على مضض،وبعد أن فرضت قيودا جمّة على هذه الهجرة،وهذا ما دفع الإثيوبيين في إسرائيل إلى تنظيم سلسلة من حملات الاحتجاج والمظاهرات، ضد رفض إسرائيل استقدام عشرات الآلاف من اليهود من قبيلة "الفلاشمورا" التي لا تعترف المؤسسة الدينية اليهودية بيهوديتهم،كذلك فإن المؤسسة السياسية والوكالة الصهيونية ليستا معنيتين بهجرتهم نظرا لأوضاعهم الاجتماعية.

وأرى لزاما قبل مواصلة هذه المعالجة توضيح أن المقصود هنا هو عرض أحد المشاهد الداخلية للمجتمع في إسرائيل،دون أي تعاطف مع أية مجموعة من هؤلاء المهاجرين الذين في نهاية المطاف يشاركون في عملية اغتصاب الأرض والوطن على حساب أهله الأصليين.

وعلى الرغم من أنه مضى على هجرتهم 25 و16 عاما إلا أن اليهود الإثيوبيين لا يزالون يعانون من تعامل عنصري معهم،ونبذ كامل في المجتمع،إلى جانب بعض الاستثناءات القليلة جدا،وهذه العنصرية تظهر جليا في استطلاعات الرأي التي تصدر بين الحين والآخر،حينما نرى أن الغالبية الساحقة من اليهود يرفضون أن يسكنوا في بنايات يسكن فيها إثيوبيون، أو أن يتعلم أبناؤهم في صفوف ومدارس يتعلم فيها أطفال إثيوبيون، وكذلك الأمر بالنسبة للمتنزهات وغيرها كما سنقرأ لاحقا هنا.

كذلك فإن فرص العمل الأكبر التي أمامهم تتركز بالأساس في أعمال النظافة والنقل،وخدمة البيوت والمؤسسات، إذ دل مسح في العام2005 على أن90% من العاملات الإثيوبيات يعملن في مجال النظافة والخدمة، كذلك فإنهم يعانون من نسب مرتفعة جدا من البطالة والفقر.

في الأيام الأخيرة ثارت من جديد قضية التمييز ضد الإثيوبيين،لدى تنفيذ عملية تبادل الجثث والأسير اللبناني،التي جرت قبل ثلاثة أسابيع بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، إذ اتضح ان الجثة الإسرائيلية التي لدى حزب الله هي لشاب إثيوبي اختفى قبل أقل من ثلاث سنوات، ويقال إنه غرق قبالة شواطئ حيفا وأن البحر قذف جثته أمام السواحل اللبنانية.

وحسب ما كشف عنه لاحقا،فإن الشرطة الإسرائيلية رفضت في حين البحث عن هذا الشاب، كذلك فإن السلطات الإسرائيلية أخفت عن عائلة الشاب حقيقة العثور على الجثة، وفقط قبل ساعات من تسلمها تم إبلاغ العائلة.

وربما ان خير من يصف الأجواء السائدة بين الإثيوبيين اليهود هو الصحافي الإثيوبي في صحيفة "يديعوت أحرنوت"،داني أبابا،الذي كتب غداة الكشف عن الأمر مقالا جاء فيه: "تخيلوا لأنفسكم لو أن اسم غبريئيل أبابهو دويت(الشاب الإثيوبي)، كان داني غوتشتاين (اسم يهودي أوروبي)،تخيلوا لو أن العائلة كانت من مواليد البلاد، وأن للوالدين علاقة بالمستويات ذات الشأن،فكيف كنا سنشهد السنوات الأخيرة؟ تفتيشات واسعة النطاق،صورا في وسائل الإعلام،مقابلات مع أفضل الصحافيين،إلا أن شيئا من هذا لم يحصل للولد الذي أحبته عائلته...".

ويتابع أبابهو كاتبا،"إن شعور الغضب والإحباط والنبذ والاغتراب سيلازم أبناء الطائفة الإثيوبية، فهذه الرواية المؤسفة تدل أكثر من أي شيء آخر على العزلة الشخصية والنفسية والجسدية التي يعيشها الإثيوبيون، وعلى الغيتوات التي يعيشون فيها، فالمتنزه الذي نتجول فيه (أي الإثيوبيين) هو محطة الباصات القديمة في تل أبيب(مكان مهجور ليلا ويعتبر من أبرز مسارح الجريمة في إسرائيل) بين العمال النيجيريين والصينيين،وبين الزانيات،هذا هو مكاننا لأنه في أماكن الترفيه الأخرى لا يسمحون بدخولنا،نحن منبوذون،بسبب لون جلدنا".

المشهد الحاصل يقول ان إسرائيل ورطت نفسها بالإثيوبيين اليهود،ولكن كما يتأكد فإن الإثيوبيين اليهود أيضا تورطوا في إسرائيل.

في معالجة سابقة استعرضت معطيات تؤكد حقيقة ان المجتمع الإسرائيلي متفكك من الداخل، وهذا تأكيد إضافي لنفس الاستنتاج.

صحافي وكاتب سياسي-الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق