محمد أبو رمان

حول "الفساد" السلفي!

تم نشره في الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 02:00 صباحاً

شهدت الحركة السلفية انتشاراً محلياً واسعاً منذ منتصف عقد الثمانينيات، وساهمت عوامل متعددة في صعودها واحتلالها مكاناً متقدما في "سوق الجماعات الإسلامية" في الساحة الاجتماعية، على وجه الخصوص.

السلفية لم تتقدم إلى اللعبة السياسية بصورة مباشرة، كما هي الحال في الكويت مثلاً، إلاّ أنّها أصبحت مؤثرة بصورة ملحوظة على الخطاب الديني في المجتمع، ولها من الأنصار ما يوازي، وربما يفوق، أكبر الجماعات الإسلامية "الإخوان المسلمين". فضلاً أنّ الفتاوى الفقهية والعقدية والأفكار السلفية وجدت طريقاً سهلة إلى الشارع، واحتلت الفراغ الناشئ عن "محدودية" النشاط الفكري والعلمي الإخواني، وضعف المؤسسة الدينية الرسمية، وللدعم المالي الذي ساهم في نشر "الأدبيات السلفية" خلال السنوات السابقة.

بالطبع؛ ليس من السهولة تصنيف الجماعات والاتجاهات السلفية في البلاد، وإن كان الاتجاهان الرئيسان هما؛ الاتجاه الراديكالي "الجهادي"، وهو اتجاه يقوم على تكفير الحياة السياسية بصورة عامة، ورفض المشاركة فيها، وعلى تقديم خطاب سياسي تراثي منغلق. وفي المقابل هنالك الاتجاه الذي نطلق عليه -أردنيا- "الاتجاه السلفي التقليدي" (أو الألباني)، ويطلق عليه في المغرب "السلفية السلطوية".

تقوم مقاربة السلفية "التقليدية" في المجال السياسي على قواعد رئيسة؛ أبرزها أنّ الحكومات الحالية هي بمثابة "ولي الأمر" الذي يجب أن يطاع، ولا تجوز معارضته أو الخروج عليه، وإذا كانت هنالك ملاحظات فيجب أن تتم في "السر" على صيغة نصيحة خاصة. كما تقف السلفية التقليدية موقفاً معارضاً للحزبية السياسية ولها موقف متحفظ من الديمقراطية وقيمها الحداثية.

الملمح الأبرز لهذه السلفية أنها تتبنى ما يعرف في أدبياتها بـ"التصفية والتربية"، أو الانخراط في تصحيح العقيدة والشريعة من "البدع" و"الضلالات" وتربية الأجيال على ذلك، ومن العبارات المشهورة عن شيخ هذا الاتجاه ومؤسسه في الأردن، ناصر الدين الألباني (الذي توفي قبل سنوات) "من السياسة ألاّ نتحدث في السياسة".

المقاربة السابقة، انعكست -بالضرورة- على علاقة الدولة بهذا الاتجاه. فعلى النقيض من الجماعات الإسلامية تميّزت علاقة هذا التيار بالدولة أنها جيّدة، تقوم على فتح الأبواب مشرعة له في المساجد والوعظ الديني، إذ أنه من الناحية السياسية والأمنية لا يشكل إزعاجا، كما هي الحال في جماعة الإخوان أو "السلفية الجهادية". فحظي هذا الاتجاه بفرص قوية وذهبية للعمل والنشاط في البلاد، ما ساهم في تجذيره وتعزيز وجوده.

معضلة خطاب هذا الاتجاه وممارسته أنه في طبيعته وبنيته معادٍ للحداثة الاجتماعية والسياسية، وتمتاز مواقفه الفكرية والفقهية بالتقليل من مشروع إعمال الفكر والعقل ومطلب الإبداع والتجديد والاجتهاد، فيركز في خطابه الديني على قضايا بعيدة عن المنحى الذي نطمح إليه من وجود تيار إسلامي تقدمي حضاري نهضوي، ينطلق من إدراك المقاصد العامة للشريعة الإسلامية وروحها.

ثمة حاجة إلى إدارة "الحياة الدينية" في البلاد نحو الدفع بها إلى منحى يعزز من الدور البنّاء للدين في إدماج الإنسان المسلم بعصره ومقتضياته وفي خلق المسؤولية المدنية والأخلاقية لديه. أمّا الاتجاهات الدينية "الجامدة"، فحتى لو كانت مقبولة في المقاربة "الأمنية" إلاّ أنّها على المستوى الاستراتيجي تعزز من وجود "نخب دينية" نافدة اجتماعياً وثقافياً، تقدّم إدراكاً دينياً لا يتفق مع ما تسعى إليه الدولة من تقديم نموذج إسلامي عصري يجد قاعدته في الداخل ويمتد إلى الخارج ليمثّل واجهة حضارية للدولة.

بعيداً عن هذه المقاربة السياسية والأمنية؛ فمن الخطأ توفير "حصانة" مبالغ فيها للتيار السلفي التقليدي، أو التجاوز عن قضايا ذات بعد قانوني مرتبطة ببعض مؤسساته، إذ يقتضي التعامل معها كما تمّ التعامل مع باقي مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، بخاصة ما يتعلّق بـ"شبهة الفساد"، كما حصل في التعامل الرسمي مع جمعية المركز الإسلامي سابقاً، أو مع بعض الجمعيات الخيرية مؤخراً.

مناسبة هذا الحديث؛ تلك الخلافات التي بدأت تبرز داخل نخب هذا التيار، والتي تقوم على اتهامات متبادلة خطرة باختلاسات مالية كبيرة في بعض المؤسسات التي يقوم عليها هذا التيار، لأموال قادمة من الخارج، فهذه الاتهامات تستدعي المساءلة القانونية للمتّهِم والمتّهَم، ما يقتضي تدخل أجهزة مكافحة الفساد، إذا اقتصى الأمر.

والمفارقة اللافتة أنّها ليست المرّة الأولى التي يتم فيها الحديث عن فساد داخل هذا التيار، فقد سبق ذلك حديث عن "فساد علمي" وسرقات أدبية، وقد كتب في هذا المجال داخلياً وخارجياً.

لا أحد فوق القانون، ولا تنزل "الخطوط الحمراء" إلى مستويات متدنّية. والمسألة مرتبطة بصيانة سمعة الدين وهيبته وقيمه وحماية مؤسسات المجتمع المدني. ولن تكون هنالك أية خسارة بالتعامل بشفافية واضحة مع هذا الموضوع.

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما يلفظ من قول (ناصح أمين)

    الثلاثاء 30 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    الإساءة إلى السلفية شيء والإساءة إلى بعض السلفيين شيء آخر. والأولى إساءة إلى الدين؛ والثاني إلى الأشخاص {..فتثبتوا ..} فان صح فكما أن خطأ المنتسب للإسلام ليست خطأ في الدين نفسه ولو علت منزلته. ولو أنني أظن أن كثيراً ممن يسيء إلى الألباني أو غيره يريد السلفية نفسها؛ فأعظه وأذكره الله الله. { واتقوا يومًا
  • »السلفيه في مقابل السنه (منصف الدعجه)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    للتعرف على حقيقة السلفيه الرجوع الى:
    http://www.sunna.info
    مع شكرنا الجزيل للغد على هذا المقال الحق
  • »نعم ، للحقيقة (إحسان العتيبي)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    السلام عليكم
    أنا من الأردن ، وأعرف رموز الفساد الذي تكلم عنه الأستاذ أبو رمان ، وسرقاتهم الماليةوالعلمية لم تعد تخفى على أحد ، إلا على من انتمى لذلك التيار الحزبي ! نعم هم حزبية وصوفية ، يرون الأدلة والبراهين على سرقات مشايخهم فيؤولونها ، ويحسنون بهم الظن ، تماما كما يفعل المريد الأحمق ، وهم على الشبهات والكذبات يتناولون أعراض العلماء والدعاة ليلا نهارا ، سرا وجهارا .
    فلماذا يُسكت عن اختلاس حوالي 100 ألف دينار من رمز من رموزهم ؟ والذي جعله يرجع المبلغ للكويت هو تهديده بتدخل السفارة الكويتية ! وهو نفسه اللص المشهور بسرقات كتب غيره ، وفي دفاعه عن نفسه يقول : إنني خشيت على هذا المبلغ أن يأخذه لصوص! كما هو الحال في غيرها من الأموال ! وفضح الجميع بذكر أراض نهبوها ، وأموال اختلسوها !
  • »المشلكة اين ................................ (abd)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    المشكلة ان جميع اصحاب الافكار التجددية هم مسلمين بالهوية
    والمصبية ان اصحاب المقالات التي تهاجم الحركة السليفة ليفقهوا في الدين شي ...............
    من يستطيع الحكم على ظاهر الامور
    واقول الى صاحب هذاالمقال ابحث عن هموم الشعب من الجوع والفقر وارتفاع الاسعار والفساد بدلا من الكتاية في موضوع انت بعيد كل البعد عنه
    اما الاخ سامي فكان الافضل لك ان تتأكد مما تكتب قبل ذكر امثلة ضعيفة وماهي الا شبهات.
    ان واثق ان صاحب هذا الكتاب لايجد الوضوء فكيف يقيم حركة اسلامية..........
    ودمتم سالمين
  • »إلى مراقب التعليقات (سامي عوده)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    إتق الله و أعلم انك على موضع أمانة تظهر فيه الحقيقة و لهذا عينت في جريد الغد و ظهرت جريدة الغد ، وبالنسبة لتعليقي المسمى " أين الشرع و أين السلفية " الوهابية "؟؟؟" فانُي أفاجأ بانك قد قمت بشطب جزء من الكلام الخاص بأن الالباني أباح رضاع الكبير و هذا امر موجود على الإنترنت على مواقع الyoutube.com و ليس لك أن تشطب هذا التعليق و إلا لا تفتح أصلا مجال للتعليق و سكر الجريدة بالمرة و الناس لوحدها ستعرف الحقيقة و ستجد جريدة أكثر مصداقية منك و من الذي عينك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!!!!!!!! و السلام
  • »أستاذنا محمد تأخرت (عمر شاهين)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    أستاذنا محمد تأخر مقالك هذا لسنوات طويلة، فقد شهد بعض السلفيين حركة ثراء واضحة لا تحتاج الى تشكيك فكيف ينتقل بائع عطور أو تاجر بسيط أو نجار الى صاحب أملاك فجأة، بعد انفتاح السلفية الخليجية عليه وتصنيفه ضمن أصحاب اليد اليمنى والشمر
  • »لا تهرف بما لا تعرف (محمد أبو عبدالرحمن)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    الأخ أبو رمان سدده الله،
    لعلي ت>كرت--بعد قراءتي له>ا المقال--قول الشاعر:
    أوردها سعد و سعد مشتمل
    ما هك>ا يا "رمان" تورد الإبل

    فقبل أن تهرف بما لا تعرف، أرجو منك أن تتعرف على السلفية الحقيقية من كتبهاو ملامح منهجها النبوي لا من خلال مغالطات بعض الحزبيين أو الشخوص ال>ين ينتسبون أو يدعون الإنتساب إلى ه>ا المنهج المبارك، فبالحق يعرف الرجال لا بالرجال يعرف الحق، فبه>ا الهجوم تكون أحد رجلين:إما جاهلا بحال ه>ا المنهج لا بد له من معرفة حقيقته قبل الخوض فيما لا يعرف أو مغرض يريد النيل من أس ه>ا الدين و أساسه؛ فإن كنت الأول ننصحك بالبحث عن الحق في مضانه و إن كنت الثاني فإننا نسأل الله لنا و لك الهداية و السداد.

    و السلام
  • »مسلم عصري (عصام)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    لم يعطي الكاتب امثله حول كيفية دمج الانسان المسلم بعصره .
    هل بالتنكر للمبادئ او بتناسي الحق وغض الطرف عنه؟ .
    هل بمتابعة الفضائيات القذرة؟
    ام هل بمنح الحرية التامة للبنات ؟
    يا أخي الدين الاسلامي هو نفسه لكل الناس .
  • »السلفية منهج وليست جماعة (اسامة)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    السلام عليكم و رحمة اله و بركاته , أحب أن أخبر حضرتك أن السلفية ليست جماعة , لكنها منهج , السلفية يفهمون الاسلام كما فهمهه الصحابة ومن تبعهم من التابعين و تابعى التابعين لأن الصحابة و التابعين و تابعى التابعين هم أفضل القرون الخيرية كما ثبت ذللك عن النبى محمد صلى الله عليه و سلم و السلفية بشر ليسو ملائكة , لذلك فان فعل أحدهم خطأ من الأخطاء فهو ليسو معصومين , ليس كلهم كهؤلاء الذين ذكرتهم , هم أقرب ما يكونوا للناس فى كل مكان , الدليل على ذلك أن المنهج الذى يدعون اليه منتشر فى الشرق و الغرب , أتمنى لحضرتك كل الخير , و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
  • »أين الشرع و أين السلفية " الوهابية " ؟؟؟؟؟ (سامي عوده)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    السلام عليك أستاذ محمد السلام عليكم و صباح الخير بالنسبة للمقال المكتوب أعلاه فإن لي تعليقا عليه أن توجه كل من الفريقين هو التوجه التكفيري و لكن منهم من جاهر بذلك و هو التكفيري الخاص بالحياة السياسية و الأخر أخفى هذا التكفير و لم يظهر إلا في المساجد ، مع العلم أن الإثنين مرجعهم واحد و هو محمد بن عبد الوهاب و أنا لا أرى أي فرق في ذلك بل بالعكس هم يعتمدون منهج واحد و هو حديث رسول الله " كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار " و هذا الحديث صحيح و لكن الفقهاء الشافعية هو عام لكل البدع التي خصت بأنها بدع ضلالة كنحو ذكر الله تعالي بشكلل صحيح و لكن الوهابية أو السلفية تنظر إلى أن كل شىء لم يفعله الرسول فهو بدعة ضلالة و لا تنظر لمفهوم البدعة الحسنة و السيئة فعندهم الصلاة على النبي بعد الأذان هي بدعة و الاحتفال بالمولد هو بدعة و الصلاة في المساجد المكيفة او التي فيها سجاد " موكيت " و ليس حصير و كتابة آيات على الجدران في المساجد و غيره بل إن أحدهم جاهر قبل حوالي 5 سنين بأنهم فرحانين لتطهير الزرقاء من الصلاة على النبي بعد الأذان ، و شيخهم الألباني قال بان على أهل فلسطين الخروج منها لأن اليهود فيها و هذه الفتوى سماها الأزهر بالفتى الشيطانية المدفوعة الأجر ، لذا هذه الجماعات هي و إن تزينت بأي زي فهي جماعات ذات خطر على المجتمع لكون المنهاج الذي تتبعه غير صحيح و إن غطوه بشعار إتباع السلف نسأل الله أن يحفظ البلاد . و السلام
  • »أحبكم فى الله (عبد الله)

    الاثنين 29 تشرين الأول / أكتوبر 2007.
    السلم عليكم , أحب أن أخبر من لا يعلم بعنى كلمة السلفية , معنى السلفية و هى فهم الدين كما فهمهه السلف من الصحابة و التابعين و تابعى التابعين و لأنهم كما أخبر النبى محمد صلى الله عليه و سلم أنهم خير القرون , و السلفية ليست جماعة و لكنها منهج و منهج النبى محمد صلى الله عليه و سلم و السلف الصالح , و ان السلفية ليست بعيدة عن مجريات الحياة الحديثة و لكنها قريبة جدا من الناس و لولا ذلك القرب ما استطاعت أن تؤثر فى الناس وجزاكم الله خيرا .