سيناريو إسرائيلي معروف

تم نشره في الأحد 28 تشرين الأول / أكتوبر 2007. 03:00 صباحاً

لا يحتاج المتابع للشأن الإسرائيلي الداخلي الكثير من الجهد لمعرفة نوايا الحكومة الإسرائيلية تجاه مؤتمر أنابوليس المفترض انعقاده بعد شهر،وتجاه العملية التفاوضية التي يجري استئنافها بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

فالحكم على الأمور ليس مبنيا على التصريحات الإسرائيلية المتلاحقة،وهي مهمة، وإنما بالأساس بناء على ما يجري على أرض الواقع، لأن كل ما تبادر إليه إسرائيل في هذه الأيام يصب في خدمة هدف واحد، نسف العملية التفاوضية وهي بداياتها،وإضعاف القيادة الفلسطينية أما الشارع الفلسطيني،وهذا سيناريو يتكرر منذ 13 عاما.

فما تفعله إسرائيل اليوم هو أن تسعى إلى انفجار،تدعي أنها لم تبادر له إطلاقا،وهذا يظهر في سلسلة تحركات، لا بل جرائم إرهابية تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى رأسها، حاليا، تكثيف عمليات الاغتيال التي تطال المقاومين الفلسطينيين من مختلف الفصائل الفلسطينية المسلحة من دون استثناء.

فحقا ان جرائم الاغتيال لم تتوقف في أي مرحلة،منها ما هو علني، واخرى تحاول إسرائيل التنكر لها، إلا أنها في هذه المرحلة تكثفها بشكل خاص في إرجاء مختلفة من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تتوقع ان اغتيالات كهذه لا يمكنها ان تبقى من دون رد، وغالبا ما يكون الرد عمليات تفجيرية في قلب إسرائيل، وعملية تفجيرية كهذه هي الذريعة الأسهل لتعلن إسرائيل فورا وقف العملية التفاوضية.

ولكن هذا لا يكفي بالنسبة لعقلية الاحتلال الإجرامية، فقد قررت إسرائيل تشديد قبضتها على أهالي قطاع غزة من خلال حصار تجويعي لم نشهد مثله في عالمنا المعاصر،من خلال قطع كهرباء ومنع إدخال المواد الغذائية وتقنين الوقود وغيرها.

وتسعى إسرائيل من ذلك ليس توجيه ضربة لأهالي القطاع، أو إضعاف قيادة حماس التي تسيطر على القطاع فحسب،وإنما أيضا إحراج قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس،وإضعافها أمام الشارع الفلسطيني، لأنه على وقع ضربات إجرامية كهذه ضد مليون ونصف المليون فلسطيني،فإن استمرار العملية التفاوضية ستكون نوعا من العبث، لا بل غير مفهومة على الإطلاق.

وإسرائيل الرسمية"لا تبخل" علينا إطلاقا في كم الإثباتات على أنها ليست معنية بالعملية السياسية ودفعها باتجاه الحل الدائم، فحيثيات اللقاءات الأخيرة مع الجانب الفلسطيني، وخاصة لقاء عباس برئيس الحكومة،إيهود أولمرت، هي إثبات آخر.

فما سمعناه ان إسرائيل عادت إلى اسطوانة"البند الأول" من خطة ما يسمى بـ"خارطة الطريق"، التي تدعو السلطة الفلسطينية لمكافحة ما يسميه الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأميركية"إرهابا"، وتسميه القيادة الفلسطينية تثبيتا للأمن وإعادة تنظيم الأجهزة الأمنية،ولكن هذا البند يشمل أيضا الطلب من إسرائيل إزالة البؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية.

وبطبيعة الحال فإن إسرائيل تتجاهل كليا البؤر الاستيطانية،لا بل إنها تواصل دعم البناء الثابت فيها، ويسعى وزير الحرب إيهود باراك إلى تحويل قسم منها إلى مستوطنات عادية.

ولكن ليس هذا فحسب، فإسرائيل لا تتمسك بهذا البند صدفة،وإنما لأنها تعرف ان هذا بند فضفاض لا حدود له،وكما رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق،أريئيل شارون،قال أكثر من مرة ان بنظره فإن إلقاء حجر من طفل فلسطيني يعتبر إرهابا،وهذا تعريف يُطلقه واحد من أكبر مجرمي الحرب الشرسين في الساحة الإسرائيلية.

إن إسرائيل لا تترك جانبا واحدا يتعلق بالحل الدائم إلا وتتعمد إشعاله في هذه المرحلة، مثل قضيتي القدس والمستوطنات، ناهيك عن قضية اللاجئين، وهذا طبعا ليس صدفة.

إن المعادلة الماثلة أمام قيادة السلطة الفلسطينية من المفترض أن تكون سهلة على ضوء مكانتها في الساحة الدولية، إذ عليها ان تستغل هذه المكانة بالإعلان عن أن الذهاب إلى أنابوليس ليس بكل ثمن،وبشكل خاص ليس على وقع تجويع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وحتى الوضع في الضفة الغربية ليس بأفضل.

إن السيناريو الإسرائيلي معروف منذ سنوات،وهناك فرصة لكسره ورد الضغط على الحكومة الإسرائيلية ذاتها،وغير ذلك فإن تفسير أي تصرف آخر للقيادة الفلسطينية يبقى صعبا إلى درجة الاستحالة.

صحافي وكاتب سياسي-الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق